رسالة مفتوحة إلى الدكتور سلامة: نحن لا نبحث عن «هوية وطنية ليبية»!

محمد عبدالرحمن بالروين |
محمد عبدالرحمن بالروين

لا يا سعادة المبعوث المحترم. نحن لا نبحث عن «هوية وطنية ليبية» فكل أبناء شعبنا وطنيين، إلا الانتهازيين!

لقد قرأت حديثك الخاص لجريدة "الحياة"، مع السيدة رندة تقي الدين يوم 20 سبتمبر 2017 بمدينة نيويورك، والذي شرحت فيه هدف الخطة التي وضعتها لإنجاح مهمتك في ليبيا. وأنا يا سيادة المبعوت المحترم ليس لدي اعتراضات جوهرية على الاجتهادات والآليات والمراحل التي اخترتها لخطتك لتحقيق الاستقرار في وطني ليبيا، لأسباب عديدة لعل من أهمها معرفتك بالمنطقة وشعوبها والتحديات الصعبة التي تواجهها، وأيضاً ثقتي بكفاءتك وخبرتك ومُتابعتي لمحاولاتك الصادقة والجادة لإنجاح التجربة العراقية ورفضك للتدخلات الخارجية التي لم تكن في صالح العراق والعراقيين حين كنت ضمن وفد الأمم المتحدة المبعوث إلى العراق بعد الاحتلال الأميركي 2003.

يا سيادة المبعوت المحترم، أنا أتفق معك- من حيث المبدأ- بأن هذه الخلافات المحلية والجهوية والقبلية المُصطنعة هي التي عرقلت إعادة انتشار الهوية الوطنية الليبية الجامعة.

ومن جهة أخرى، لأنني سياسي واقعي، أعي الظروف الصعبة والمُحزنة التي يعيشها شعبنا الصابر الكريم خلال السنوات السبع العجاف! وعليه فإنني أُؤيد وأدعم كل المحاولات الجادة والصادقة لدعم ومساعدة شعبنا على الخروج من هذه النفق السياسي المظلم.

يا سيادة المبعوت المحترم، ملاحظتي الوحيدة على ما ذكرت في حديثك هي قولك: ".. ما نشهده في ليبيا ليس انقسام البلاد إلى منطقتين أو 3 أو 4 بل عملية تشظٍ إلى عشرات الشظايا المحلية، لذلك ما يغلب حالياً على السياسة والأمن في ليبيا هو الطابع المحلي، الذي يشي بأمر آخر هو انعدام الخطاب الوطني، فالهوية الوطنية شبه غائبة. لا أحد يتكلم باسم ليبيا تقريباً، فالكلٌُ يتحدث باسم مدينته أو قبيلته أومنطقته". هذا الكلام، مع تسليمي بصحته، لا يدل على غياب "الهوية الوطنية" بين أبناء شعبنا، وهنا يمكن أن أؤكد لك أن أبناء شعبنا وفي كل أنحاء الوطن هم وطنيون وحدويون مؤمنون بالشعار الذي رفعوه في بداية الثورة في 2011، والذي يقول: "لا شرقية لا غربية، ليبيا وحدة وطنية".

الحقيقة يا سيادة المبعوت المحترم، ولكي أكون مُنصفًا معك إن هذه الملاحظات التي توصلت لها هي استنتاجات واقعية وبها الكثير من الحقائق لعل من أهمها:

(1) غياب مفهوم الدولة ومؤسساتها القوية الموحدة خلال هذه السنوات السبع الماضية .. فماذا تتوقع من شعب يعيش في بلد فقد حكومته وشرطته وجيشه ويمكن القول كل مؤسساته السيادية!.

(2) حجم البلد ومساحته والتي قلت عنها ".. أكبر مفاجأة لشخص مثلي هي أن حجمها يبلغ 3 مرات مساحة فرنسا ومرة ونصف مساحة مصر، مع عدد سكان متواضع يبلغ نحو 6 ملايين ونصف المليون نسمة، لكنهم موزعون على شبه قارة، فبالتالي يهيمن الجانب المحلي...".

و(3) الفراغ السياسي الذي أتاح للسياسيين الانتهازيين الذين سيطروا خلال الفترة الماضية على كل مفاصل الدولة وعلى المشهد السياسي في البلاد، مستخدمين انتماءاتهم العرقية والجهوية والقبلية والمحلية لتحقيق أهدافهم الشخصية المحضة!. وفي اعتقادي ما دام هؤلاء السادة مستمرين في السيطرة على المشهد السياسي فلن يتحقق لشعبنا الليبي ما يريد، فلن يكون لمفهوم "الهوية الوطنية الجامعة" مكان في أي لقاءات أو حوارات قادمة!.

يا سيادة المبعوت المحترم، أنا أتفق معك- من حيث المبدأ- بأن هذه الخلافات المحلية والجهوية والقبلية المُصطنعة هي التي عرقلت إعادة انتشار الهوية الوطنية الليبية الجامعة. وأنا أتفق معك أيضًا على ضرورة العودة إلى الخطاب الوطني الجامع لأن من دونه سيزداد التفكك والتشرذم وستنتهي ما كان يُعرف بالدولة الليبية لا سمح الله. ولكن ما أريد تأكيده لك هو أن شعبنا الليبي يملك "هوية وطنية جامعة" شكلها خلال الـ 66 سنة الماضية، أي منذ إعلان الاستقلال العام 1951.

يا سيادة المبعوت المحترم، عليك أن تعلم أن كل ما يحتاجه شعبنا هذه الأيام من الذي يريد مساعدته، وخصوصًا من حضرتكم كمبعوث الأمم المتحدة الخاص هو:

ماذا تتوقع من شعب يعيش في بلد فقد حكومته وشرطته وجيشه ويمكن القول كل مؤسساته السيادية!

(1) دعمكم غير المشروط لتوحيد وتقوية مؤسسات الدولة (وخصوصًا الحكومة والمجلس التشريعي) والاعتراف الدولي بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الليبي، وفي أسرع وقت ممكن.

(2) العمل الجاد علي إيقاف كل التدخلات الأجنبية مهما كانت أغراضها أو مُبرراتها.

(3) ضرورة أن تتم كل اللقاءات والاجتماعات المتعلقة بالشأن الليبي في داخل الوطن وليس في خارجه. بمعنى لا للاجتماعات خارج الوطن.

(4) ضرورة توسيع دائرة المشاركة السياسية في المؤتمر الوطني ليشمل كل مراكز القوة الفاعلة على الأرض. بمعنى يجب الابتعاد عن استخدام "أسلوب السيد ليون في اختيار أعضاء الحوار". ويجب الابتعاد عن اختيار شخصيات لمجرد أنها موجودة في المشهد السياسي أو أنها الأكثر ظهورًا على شاشات التلفاز وهي في الحقيقة لا ثقل سياسيا لها على الأرض.

ختامًا، أتمنى لك ولفريقك النجاح في تحقيق أهداف خطتكم، وذلك لأن نجاحكم هو نجاح لشعبنا، وإن نجاح شعبنا هو نجاح للجميع.. ولك مني كل تقدير واحترام.

---------
*عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات