ما الذي يحدث؟

محمد محمد المفتي |
محمد محمد المفتي

في البداية بدا اقطيط خبرًا مثيرًا للتساؤل لا أكثر، ومع ذلك يبدو أنه سيؤخذ على محمل الجد وسيتحول اسمه إلى كلمة مفتاحية أو كلمة السر كما هو متعارف عليه بين مستخدمي النت.

اقطيط طرح نفسه في المشهد السياسي الليبي مشحونًا بعناصر المفاجأة والشبابية والوعود الإعلانية المزهرة، مستفيدًا من التذمر السائد في الشارع الليبي الذي تولد عن أعوام من الفوضى والمعاناة اليومية المهينة نتيجة طوابير المصارف ونقص الغاز وغلاء السلع وانقطاع الكهرباء. الاهتمام بقطيط إذن يتناسب طرديًا مع فشل الكيانات السياسية والساسة التقليديين وعدم اكتراثهم أمام فوضى السلاح واستشراء الفساد. وطيلة الأعوام الماضية عوض المتصدرون للسلطة هذا الفشل بالانغماس في شتى المناورات الساذجة والمماحكات القانونية العقيمة.

اقطيط هو ابن الفيسبوك مستفيدًا من قدرة اللايك على تحشيد المعجبين الحقيقيين والافتراضيين مستفيدًا من سوابق تاريخية لمواجهة آلة الدولة الدكتاتورية لعل من أشهرها إسقاط النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا في ديسمبر 1989 بقيادة الفنان المسرحي هافال، أو تجربة المليونير رفيق الحريري في لبنان.

لقد أمسى مستقبل ليبيا ذي أهمية خاصة بالنظر لقربها من أوروبا وتحولها إلى ممر لهجرة الأفارقة نحو الشمال وللحركات المتطرفة المسلحة، وأي متابع للأزمة الليبية سيتساءل: ليبيا بلد سكانه 6 ملايين ولديها ثروة نفطية ولديها أرصدة في مصارف أوروبا تمكن الاستفادة منها.

إذن ما المشكلة؟ هنا تبدو كثير من قيادات ليبيا بشتى حكوماتها ومجالسها وحواراتها ورحلاتها تبدو مضحكة وأكيد هناك من تساءل ما الحل؟ ما البديل؟

ثمة مقاربات جديدة في العالم الحديث لدراسة سلوكيات البشر والجماعات وكيف يتصارعون وكيف يتفاهمون وكيف يتعايشون بينما نحن مازلنا نؤسس مواقفنا على العاطفة والانتماء الجهوي والقبلي وإقصاء الآخر بالتخوين والتكفير.

هناك مثلاً «نظرية الألعاب» التي تحلل المواجهات من الشطرنج إلى تنافس الشركات والمناشط الاقتصادية إلى السياسة والحروب.

وهناك نظرية «العلاج بالصدمة» وهو ما طرحته المفكرة الكندية ناعومي كلاين في كتاب صدر العام 2007 وفيه قالت إن الرأسمالية المعاصرة تعالج الأزمات في الدول النامية فتوظف الأزمات لتمرير سياسات مثيرة للجدل بينما المواطنون تحت طائلة المعاناة انفعاليًا وفعليًا وغير قادرين على مقاومة التجديد المطلوب.

وهناك أسلوب «عاصفة الدماغ» وهي أسلوب لتوليد افكار خلاقة وحلول من خلال نقاش حر ومفتوح يجمع مثلاً الموظف الصغير ورئيس مجلس الإدارة مع السماح لكل المشاركين بحرية التعبير والصراحة والنقد مع الحصانة التامة.

بمثل هذه المقاربات وقع اختيار اقطيط.. ليدخل طرابلس دون حرس مدجج محاطًا بحلفائه الجدد أمام أعين سكان المدينة المجهدين المتطلعين إلى قشة تنقذهم من اليم الكئيب.

اقطيط هو وليد كل هذه العناصر مدفوعًا بآراء ومشورات العديد من المستشارين المؤثرين. شخصية أقرب إلى ممثلي السينما في سيناريو واقعي، قدم وعودًا ممكنة ربما استطاع ترجمتها إلى حقائق عملية إذا رأت القوى الكبرى ذلك، وإذا استطاعت تطهير البلاد من السلاح.. تاركًا ساستنا التقليديين يعمهون في صمت.. فهل ينجح التنويم المغناطيسي حيث فشل أمراء الحرب والساسة؟

زيارة اقطيط لن تكون الأخيرة على الطريق إلى الانتخابات. لكنها مبدئيًا اجتازت بعض البوابات النفسية. وتركت أخرى مشرعة لتساؤلات محيرة. لكن احتمالات الفشل قائمة.

فهل مثلاً سيسجل التاريخ أن اقطيط ليس أكثر من خلطة سحرية فقدت مفعولها بسرعة مثل الأبخرة الملونة التي تستعمل في الحفلات الشبابية؟

ربما لم تحقق جولة اقطيط كل توقعات معد البرنامج، وسوف تتكرر بمزيد من التحسينات. لكن، على الأقل في الوقت الحاضر، ليس من حل للأزمة سوى التقدم بخطوات صادقة وجادة على خارطة الطريق التي اقترحها المبعوث الأممي د. غسان سلامة.

محمدمحمد المفتي
بنغازي، 26 سبتمبر 2017

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات