ميليشيات!

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

تذهب الموسوعة العربية الميسرة فى تعريفها لكلمة ميليشيا إلى القول بأنها، "اصطلاح يطلق على جنود منظمة، ليست الجندية مهنتها ولا مستديمة الوجود. كانت الجيوش عند بعض الشعوب القديمة تتكون من متطوعين أي أنفار يستدعون لحمل السلاح مدة الحرب ثم يعودون إلى مهنهم الأصلية" .

أي أن الميليشيا أو التنظيم المسلح أو الجماعة المسلحة، هو جيش تشكله عادة قوات غير نظامية، من مواطنين عاديين، بعكس مقاتلي الجيوش النظامية (الجنود المحترفين).

أغلب الميليشيات في ليبيا تأسست بداية على أسس قبلية جهوية وساعدت حالة البطالة فى تكاثرها

أغلب الميليشيات في ليبيا تأسست بداية على أسس قبلية جهوية وساعدت حالة البطالة فى تكاثرها. ولكن هناك أيضا ما تأسست على أيدولوجيات راديكالية استغلت ذلك الوضع واستغلت العزف على الوجدان الديني.

تشكل جزء منها خلال الحرب ضد النظام السابق تحت شرعية أنهم ثوار وبعد سقوطه استمرت تتشكل وتنتشر تحت شعار الثورة والثوار وللحفاظ على الأمن نظرا لانهيار وغياب مؤسستي الجيش والشرطة بعد سقوط النظام؛ استمر من فى السلطة في الاعتماد عليهم.

الحقيقة أن غالبيتهم ليسوا مؤدلجين ولكنهم أفراد عاديون فى حاجة للعمل وكسب الرزق وأتاحت الحكومات المتتالية الفرصة لهم بتقديم المرتبات المتميزة عن أفراد الجيش والشرطة، فكان الأمر مغريا للكثير من الشباب العاطل ومجالا خصبا أيضا للمجرمين الذين تسربوا داخل تلك التشكيلات المسلحة بحثا عن الأمان وعن الغنائم.

مع الزمن استطاعت تلك الميليشيات أن تفرض وجودها على الأرض وتقوم ببعض المهام التى تكلف بها ولكن دونما انضباطية كاملة وكان لتوازن القوى فيما بينها أثر في عدم الدخول في صراع النفوذ الدموي.

بعض تلك التشكيلات فى حقيقتها كانت مرجعيتها جهوية وتمثل الذراع العسكري لمدن معينة وأخرى لتوجهات سياسية بعينها وتحصلت على الدعم من السلطات التشريعية والتنفيذية كما ظهر هناك نوعية ثالثة كانت ذراعا عسكريا وبعلانية ووضوح تام لتيارالإسلام الراديكالى المتطرف ورابعة كانت عصابات إجرامية تخصصت فى الخطف والابتزاز والسرقة.

حدث ما حدث بعد ذلك فى 2014 انفلات وصراع دموي من أجل السيطرة واستمر الحال حتى وصل الجميع إلى قناعة بأن لا أحد يستطيع الاستحواذ على "غنيمة السلطة" بمفرده..

وبدأ التفكير فى الوفاق والخروج من مستنقع الدم.. ولم يكن نصيب من فى الميليشيات إلا الذم والقدح والدعوة لإقصائهم وعقابهم ولا أظن أن من يجد نفسه محاصرا فى زاوية الاتهام والتشنيع سوف يتراجع أو يغير ويستجيب لما يطلب منه لأن حالة العداء التى يستشعرها تحتم عليه البقاء فى موقعه والتمترس بسلاحه من أجل حماية نفسه من المصير المجهول..

الميليشيات هى المشكلة
تردد القول بأن "الميليشيات هى المشكلة". نعم هي مشكلة. ولكن لا أحد فكر ووضع نفسه مكانهم ودرس كيف يمكن أن تبعث الثقة بين السلطة وبينهم وكيفية تأمين مستقبلهم. كان يجدر بنا أن نستمع لهم ولما يقولونه خاصة أن ردودهم غالبا ما كانت إيجابية لكل من تواصل معهم لمعرفة رؤيتهم لأوضاعهم ومآلات الأمور فيما يخص مستقبلهم؟. ومناقشة كيفية إدماجهم في مؤسسات الدولة والآليات التي سيتم بها إنهاء أوضاعهم الشاذة؟.

ستتعجب لو قلت لك أن أغلبهم أكثر استعجالا من كثير من منتقديهم وهناك من أبدى رغبته الملحة لتوفيق أوضاعه.

يمكن القول بتحفظ (وبرغم كل التجاوزات التي ارتكبوها)، فإن منهم من هو أكثر إخلاصا ووطنية من بعض المحسوبين على عالم السياسين.. المتسيدين للمشهد السياسي والذين ارتكبوا أخطاء قاتلة بحثا عن مكاسب شخصية ضيقة!. بل واستعانوا بالمليشيات ودعموها وتستروا على المؤدلجة منها. إن معظم "الميليشز" وبكل جدية يبحثون عن الأمان ويؤيدون أي حل سياسى يضمن لهم حلا لمستقبلهم الوظيفى.

لا نفكر فى المصائب والكوارث التى جناها بحقنا سياسيو المرحلة السابقة من هدر المال العام والتحريض على الفتنة لكن كل ما يتبادر إلى عقولنا هو تجاوزات الميليشيات

قطعا الحديث هنا على التشكيلات الكبيرة عددا وعدة، وليس المقصد هنا الكتائب الصغيرة والعصابات الإجرامية.

البحث عن الأمان وعدم الملاحقة لا أراه عيبا. فهم من بقي بعد انهيار النظام تحت ذريعة الحفاظ على الأمن طيلة السنوات السابقة وبالقطع كان هناك تجاوزات وأخطاء وجرائم ظاهرة لكل ذى عينين، نحن بحاجة للخروج من هذا الواقع الفوضوى ويجب أن نتجه إلى سياسة الاستيعاب والاحتواء.

نحن للأسف لا نرى ولا نفكر فى المصائب والكوارث التى جناها بحقنا سياسيو المرحلة السابقة من هدر المال العام والإثراء غير المشروع والتحريض على الفتنة والقتل والتستر على الإرهاب والتطرف الذين يستحقون الملاحقة والمحاسبة، ولكن كل ما يتبادر إلى عقولنا هو تجاوزات الميليشيات، لأن ما يفعله أولئك مكشوف بينما كوارث السياسيين غير ظاهرة للرأي العام بسبب ما يدعونه من وطنية وإخلاص زورا وبهتانا من خلال الكلام المعسول والإعلام المزيف.

هذه ليست "انغماسية تبرير" مني للميليشيات ولا غضا للطرف عن تجاوزات ارتكبتها الميليشيات ولا دفاعا عن عصابات الإجرام. ولكن من باب الإنصاف وسعيا للدقة فى توصيف الحال والواقع.

الترتيبات الأمنية التي وردت في الاتفاق السياسي أمر لا مفر منه، ووجوب قيام مؤسسة الجيش والشرطة أمر لا يستحق المزيد من التأكيد على ضرورته ومركزيته

إن الترتيبات الأمنية التي وردت في الاتفاق السياسي أمر لا مفر منه، ووجوب قيام مؤسسة الجيش والشرطة أمر لا يستحق المزيد من التأكيد على ضرورته ومركزيته وأن الدولة لن يستقر لها حال دون مؤسسات على رأسها الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والقضاء ..إلخ، ولكن ما لا يجب أن يغيب عنا هو أن هناك ميليشيات إعلامية وميليشيات الكترونية على صفحات التواصل لا تقل تأثيرا في نشر الكراهية والعنف.

إن ما يسمى بالكيانات السياسية فى المرحلة السابقة وجب أن نتحدث عنها بنفس الجدية والصرامة ومحاسبتهم ومساءلتهم عما فعلوه ولا زالوا يفعلونه من ممارسات أضاعت المال العام وساهمت فى تعميق الصراع وهدر الأرواح، ولن أجازف بتسمية من أجرم من السياسيين لأننى منفرد ولا أستطيع مواجهة "سطوتهم وميليشياتهم وجيوشهم الالكترونية"؛ ولكن قطعا سيأتي يوم الحساب.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات