التجارة الإلكترونية عالميًا ومحليًا

أحمد بن موسى |
أحمد بن موسى


لم تعد التجارة الإلكترونية في العالم بالشيء الجديد، فقد بلغ حجم هذا القطاع النشط ١.٩٥ تريليون دولار العام الماضي، ومن المتوقع أن يصل إلى ٢.٣٦ تريليون دولار بنهاية العام الحالي.

وبعد مرور ما يقرب من ربع قرن من الانطلاق الفعلي لقطاع التجارة الإلكترونية عالمياً، ورغم أن ثلثي سكان ليبيا من فئة الشباب الأكثر تقبلاً للتطبيقات المختلفة للتكنولوجيا، فإن انتشار هذا النوع من التبادل التجاري في بلادنا ظل محدوداً جداً، وذلك لأسباب عديدة منها:

ـ ضعف تنافسية القطاع الخاص، وهي ظاهرة منتشرة في الدول الريعية التي يعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على إيرادات بيع النفط والغاز، ويرجع هذا الضعف إلى قيام الدولة بتقديم الخدمات في معظم القطاعات، كالصحة والنظافة والبنوك والاتصالات، بل حتى الترفيه في بعض الأحيان، الأمر الذي وضع الدولة - بمواردها الضخمة واستعدادها لتحمل الخسائر - في موضع المنافس للقطاع الخاص وليس في موضع الداعم له.

بالإضافة إلى السياسات التوظيفية الواسعة للدولة، حيث يقدر عدد موظفي الدولة في ليبيا بـ ١.٥ مليون موظف، أي ما يعادل ٩٠% من القوى العاملة المتوفرة في السوق، الأمر الذي يجعل من الصعب على القطاع الخاص الحصول على الموارد البشرية التي تتمتع بالكفاءة والالتزام اللازمين لتلبية احتياجات زبائنه.

أضف إلى ذلك كون العمل بالدولة يشكل ملاذاً آمناً لمعظم الشباب المتطلعين إلى المستقبل، الأمر الذي يثبط من شهيتهم للمخاطرة وتجربة افتتاح شركات ناشئة خاصة بهم تستجيب لاحتياجات السوق وتقدم إضافة إلى الاقتصاد.

التجارة الإلكترونية فرصة حقيقية لشباب ليبيا كي يستثمروا طاقاتهم في خلق أنماط اقتصادية جديد.

ـ محدودية الوصول إلى خدمة الإنترنت لمعظم السكان، فخدمات الإنترنت المنزلية رديئة وصعبة النقل في الغالب (مقارنة بخدمات الإنترنت ببقية دول العالم)، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفتها المبدئية المتمثلة في ثمن جهاز استقبال وتوزيع الإشارة.

ويشكل ضعف البنية التحتية الاتصالاتية تحدياً أمام قطاع التجارة الإلكترونية، الذي يحتاج إلى اتصال مستمر بالإنترنت من قبل الزبائن وأصحاب المحال التجارية والمطاعم والشركات الناشئة، ليتمكن من الانتشار بشكل يضمن له الفاعلية والربحية.

ـ الغياب شبه التام لوسائل الدفع الإلكتروني بأشكالها، كالبطاقات الممغنطة مسبقة الدفع، وبطاقات الائتمان ووسائل الدفع عبر الهاتف النقال، التي توفر عادة غطاء الثقة الذي تحتاجه المتاجر الإلكترونية لتتمكن من إرسال السلعة للزبون.

وتعتمد معظم المحاولات الحالية للبيع عبر الإنترنت على استلام الثمن نقداً من الزبون وقت تسليم السلعة، وهذا يعرِّض أصحاب الأعمال لمخاطرة لا بأس بها في حال لم يتسلم الزبون السلعة لسبب أو لآخر، كتكلفة الوقت المهدر في توريد وتسليم السلعة، أو تكلفة السلعة نفسها إذا كانت قصيرة العمر، كالوجبات السريعة مثلاً، غير أن الصورة الحالية على وشك أن تتغير.

أولاً: الأزمة الاقتصادية، وحالة التضخم المفرط التي نشهدها البلاد حالياً، سمحت للقطاع الخاص بجذب العمالة التي يحتاجها لتسيير أعماله. كما ساهم انخفاض جاذبية العمل بالدولة أيضاً في تغير السلوك الاقتصادي للكثيرين، خصوصاً الشباب، بحيث أصبح لديهم الحافز لخوض غمار تجربة إنشاء شركات ناشئة تلبي احتياجات السوق المحلية.

ثانياً: إطلاق شركتي الهاتف المحمول الرئيسيتين، «المدار الجديد» و«ليبيانا»، خدمات إنترنت سريع عبر الهاتف المحمول في المدن الليبية الكبرى، وحسب المعلومات الواردة من المهندسين والمسؤولين بالشركتين، فإن العمل جارٍ على توسعة الخدمة لتشمل معظم مناطق ليبيا، مما سيوفر إمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت بشكل سهل وسريع لكل مستخدمي الشبكة، الأمر الذي يعد عاملاً جوهرياً يسهل ولادة شركات ناشئة في قطاع التجارة الإلكترونية وتقديم الخدمات عبر الإنترنت.

ثالثاً: يعكف عدد من الشركات الكبرى حالياً على إطلاق خدمات الدفع الإلكتروني بشكل واسع، سواء خدمات البطاقات الممغنطة أو خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، وذلك بالتعاون مع المصرف المركزي.

ورغم أن الدافع الرئيسي في الوقت الحالي هو محاولة تخفيف وقع أزمة السيولة، إلا أن انتشار وسائل الدفع الإلكتروني سيوفر البنية التحتية المالية اللازمة لقيام قطاع التجارة الإلكترونية في ليبيا.

رابعاً: يؤدي انتشار ثقافة ريادة الأعمال إلى خلق بيئة مواتية لنمو التجارة الإلكترونية، فضلا عن الإسهام في تنوع الاقتصاد الوطني، وخلق فرص عمل مستدامة، وإرساء دعائم الاستقرار، من خلال اقتحام الشباب الليبي أنشطة تسهم في بناء البلد وتبعده عن دوامة العنف والاقتتال.

وأخيرًا أرى أن الأعوام القليلة المقبلة فرصة حقيقية لشباب ليبيا كي يستثمروا طاقاتهم في خلق أنماط اقتصادية جديدة.

أحمد بن موسى
مهندس بشركة تطوير للأبحاث

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات