الجزائر: توطين الفوضى

علي الدلالي |
علي الدلالي

يتواصل في الشارع الليبي منذ العملية التي عُرفت بـ "فجر ليبيا" في صيف 2014 وانقلاب الأوضاع السياسية والتحالفات في المشهد الليبي ما بعد الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي، وهي أوضاع أقل ما يُقال عنها أنها قادت البلاد إلى شفير الهاوية والانهيار والإفلاس وربما الانقسام والتشظي، جدل حول دور دول الجوار في الصراع على السلطة والمال والاحتراب بين مختلف أطياف هذا المشهد، وتورط معظمها في سكب الزيت على النار بما يمنحنا كل المشروعية في التساؤل ببساطة ما الذي تريده دول الجوار من ليبيا ومن تأجيج الصراع فيها ومن تعقيد أزمتها على وجه التحديد.

لعل أحد أبرز الأدوار الذي يثير الكثير من التساؤلات في الشارع الليبي - وهذا لا يبرئ ساحة الدول الأخرى- دور الجزائر كإحدى دول الجوار المباشر والتي انغمست في الشأن الليبي منذ رحيل النظام السابق لأسباب متعددة ومعقدة منها، بحسب المراقبين، الهاجس الأمني وهشاشة الوضع السياسي في الجزائر وخشية انتقال "عدوى الربيع العربي" إلى هذه البلاد مترامية الأطراف والمتاخمة للصحراء والساحل الإفريقي الملتهب.

كانت الحكومة الجزائرية، بعد أن تخلصت مبكرا من بعض أفراد أسرة العقيد القذافي الذين لجأوا إليها لتستطيع التحرك بسهولة في الشأن الليبي على ما يبدو، سلمت ملف الأزمة الليبية منذ خروج دخانها الأسود إلى السيد عبد القادر مساهل الذي تقلد العديد من المناصب منذ سبعينيات القرن الماضي حيث شغل رئيس فرع حركات التحرر بوزارة الخارجية عام 1971، ثم تولى مدير عام قسم أفريقيا بوزارة الخارجية قبل أن يستقر طويلا في منصب المستشار لوزير الخارجية مكلفا بالشؤون الأفريقية، وتولى إثر ذلك وزارة الشؤون المغاربية والعربية والأفريقية قبل أن يتربع على عرش وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية يوم 25 يوليو 2017 في حكومة عبد المجيد تبون الذي رحل ولم يكمل شهره الثالث على خلفية الصراع في السر والعلن على السلطة في الجزائر.

إن هذا الدبلوماسي والسياسي المخضرم الذي بدأ حياته العملية في مجال الصحافة والعضو في حزب جبهة التحرير الوطني الذي يحكم الجزائر منذ الاستقلال، تولى بحكم خبرته الواسعة بالشؤون الأفريقية ملفات معقدة نشطت فيها الدبلوماسية الجزائرية في عديد بؤر التوتر الأفريقية غير أن صلاحياته تداخلت في مرحلة دقيقة من الحالة السياسية في الجزائر بسبب مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، مع صلاحيات وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة الذي اختار الرحيل لفشله، بحسب مصادر عليمة بالشأن الجزائري، في كبح جماح مساهل وطموحاته.

إن السؤال المحير في إدارة الجزائر وتحديدا السيد عبد القادر مساهل لملف الأزمة الليبية يتمحور حول "لماذا هذا الإصرار الجزائري على التمسك بشعار إشراك كافة الفاعلين في المشهد الليبي والتأكيد في كل مناسبة على عدم إقصاء أي أحد" وهو شعار ينطبق عليه قول "كلمة حق أريد بها باطل".

لا شك أن الجزائر يهمها الشأن الليبي كدولة مجاورة تتأثر مباشرة سلبا أو ايجابا بالوضع الأمني والسياسي والاجتماعي في ليبيا، وبذلت جهودا كبيرة لربط قنوات التواصل والحوار بين الفرقاء الليبيين لمحاولة حلحلة الانسداد السياسي، ولكنها أغفلت فيما يبدو رأي الشارع الليبي الذي كان واضحا وجليا من خلال الانتخابات التي عرفتها البلاد بعد الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011 والتي خسرها ما يعرف بتيار الإسلام السياسي وهو التيار الذي تعمل الجزائر وتقاتل "بالأظافر والمنقار" - كما يقول المثل الفرنسي- على تمكينه من السلطة في ليبيا أو على الأقل من تقاسمها.

لقد أهملت الجزائر العديد من الوقائع على الأرض أبرزها رفض الليبيين منح التفويض لهذا التيار من خلال صناديق الاقتراع وقيام بعض قادته بتعطيل الانتقال السلمي للسلطة عند انتخاب مجلس النواب وقبل ذلك الهيمنة على المؤتمر الوطني العام وتصفية الخصوم والسيطرة على مفاصل الدولة ناهيك عن تورط بعض رموزه في جرائم بحق الشعب الليبي منها التورط في جرائم قتل وخطف ونهب المال العام وتدمير البنى التحتية وسرقة ثمن الدواء وحليب الأطفال والكتاب المدرسي وأقلام الرصاص وإذلال الليبيات والليبيين على أعتاب المصارف رغم أنهم يسبحون على بحيرات من النفط والغاز.

لم يكن السيد عبد القادر مساهل الذي تنقل بين مختلف المناطق الليبية ليغفل عن حرب صيف 2014 التي أشعلها المتنفذون في تيار الإسلام السياسي والتي لا تزال تبعاتها تعصف بالوضع الأمني والعسكري والسياسي والاجتماعي في البلاد، وستستمر آثارها المدمرة وأضرارها الجانبية الكارثية عقودا طويلة ليس في ليبيا فحسب بل ستطال المنطقة بأسرها، غير أنه يتعمد في كل مناسبة التأكيد على عدم إقصاء أي أحد مستثنيا بطبيعة الحال المنظمات المصنفة "إرهابية" وهو توصيف "مطاطي" يمكن تفسيره وتسويقه بحسب ما تقتضيه المصالح.

لقد شهدت الجزائر أوضاعا أكثر دموية مما يجري اليوم في ليبيا في تسعينيات القرن الماضي عندما قام جنرالات الجيش الجزائري بالانقلاب على انتخابات عام 1991 التي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزا ساحقا ومنعها من الوصول إلى السلطة لتنزلق الجزائر إلى المجهول وتغرق في حرب أهلية مدمرة عُرفت بـ "العشرية السوداء" خلفت ما بين 200 إلى300 ألف قتيل ومئات آلاف الجرحى والمفقودين.

بدأ الصراع في ديسمبر عام 1991، عندما استطاعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ هزيمة الحزب الحاكم، جبهة التحرير الوطني، في الانتخابات البرلمانية الوطنية، وتدخل الجيش لإلغاء الانتخابات بعد الجولة الأولى، وإقصاء الرئيس الشاذلي بن جديد، والسيطرة على البلاد، وحظر الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ومن ثم اعتقال الآلاف من أعضائها، وشن حملة مسلحة على مدى 10 سنوات ضد الموالين للجبهة الإسلامية ومؤيديها.

إن الجزائر التي هبت لمنع تيار الإسلام السياسي من تولي السلطة في البلاد رغم فوزه بالانتخابات نراها اليوم تدافع بشراسة على تمكين هذا التيار الذي لم يحض بدعم الليبيين في مناسبتين انتخابيتين من الوصول إلى السلطة في ليبيا. ومن هنا يأتي السؤال المشروع: لماذا تبيح الجزائر في ليبيا ما حرمته في الجزائر بالحديد والنار وسفك الدماء.

لا أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تخرج عن سعي الجزائر إلى توطين هذا التيار والفوضى في ليبيا في خطوة شبيهة بما يعرف عسكريا بـ "الحرب الاستباقية"، مهما سوق المسؤولون الجزائريون القائمون على ملف الأزمة الليبية من مبررات وتفسيرات عكس ذلك.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات