مسودة مشروع الدستور.. حلول وسط لم ترض الكثيرين

صلاح الدين السوري |
صلاح الدين السوري

استقبلت مسودة مشروع الدستور بهجمة عدائية شرسة منذ الإعلان عنها إثر التصويت عليها، ومن هنا نلاحظ التسرع في إصدار التصريحات من السياسيين وغير السياسيين، على الفور ودون أدنى تريث وانتظار، وفي مقدمة الطعون ذلك الذي عمّ وتبناه الكثيرون، والذي ركز على شكلها القبيح من حيث اللغة والأسلوب. وهو طعن مردود ونقد لا أساس له من الصحة. فالمسودة كتبت بلغة فصيحة وصحيحة، لا توجد فيها، من بدايتها إلى نهايتها، غلطة نحوية واحدة، وأنا مسؤول عن ما أقول. كذلك فإن وصف أسلوبها بالضعف والركاكة والقصور في التعبير أمر مجاف للحقيقة.

فهو أسلوب سلس وواضح ومباشر، وطبيعته التشريعية القانونية تقتضي قصد المعاني مباشرة واستبعاد الاستعارات البلاغية والمحسنات البديعية، أما الطعن في كفاءات الذين صاغوا هذه المسودة وضعفهم مهنيًا مستدلين بذلك على مستواها المتدني فهو الآخر طعن مردود، ففيما يبدو لي أنها صيغت من قبل مهنيين ذوي مقدرة متخصصة عالية، يلاحظ ذلك في منهجية إعدادها وفي بنية نسيجها من حيث تداخلاتها، فهي على النحو الذي رأيناه في مختلف الدساتير وأيضًا في العديد من المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات، وبذلك فهي تشكل وحدة متكاملة، ومن ثم فإن أي تعديل فيها لا بد أن تراعى فيه هذه الحقيقة.

هذه المسودة وضعت من قبل لجنة مشكلة من ستين عضوًا؛ عشرون عن كل إقليم من الأقاليم الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان) اجتهدت في الوصول إلى صيغة توافقية لترضي الأقاليم الثلاثة، ولتخاطب الصراعات بينها، ولتتعامل مع التناقضات في كل منها، وأيضًا لتراعي الحساسيات العامة والتيارات السياسية المتجاذبة، وتتجنب إتاحة الفرص للمزايدات وما يستثير العواطف ويستفز المشاعر كما هي الحال في قضايا الدين والعلم والعاصمة والتهميش وتوزيع الثروات وأوضاع مختلف المكونات.

أعضاء الهيئة كان عليهم أن يواجهوا صراحة ما يريده السياسيون ويعملون لترسيخه دون أن تكون لهم (للسياسيين) الجرأة على الجهر به، الحفاظ على مصالح الإقليم داخل الدولة المقترحة والحفاظ على المصالح العائلية والقبلية والجهوية والمناطقية في كل إقليم، فكانت المجالس المحلية ومجلس تنسيقي سيادي بينها.

كان عليهم التركيز على إقامة الدولة الديمقراطية العصرية، فذكروها تعريفًا ومواصفات وحصنوها، دون أن يذكروها لفظًا تجنبًا لإساءة تفسيرها بأنها مفهوم دخيل على ثوابتنا. كان عليهم أن يثبتوا في الدستور أحدث ما توصل إليه المجتمع الإنساني فيما يتعلق بحقوق الإنسان دون إغفال التحفظ بأن ذلك يتم، فيما لا يتناقض مع ثوابت الدين وتعاليمه، وهذه مجرد أمثلة عابرة.

المسودة ما كانت لترضي الانفصاليين والملكيين وأنصار النظام السابق والفيدراليين والانقلابيين والمكونات وبعض المستفيدين من الوضع الحالي، وما كانت أيضًا لترضي الكثيرين من الذين رأوا فيما اقترحته من حلول وسط خروجًا عن المألوف والمعروف لما يتوقعونه في أي دستور.

وخلاصة القول: هذه المسودة لم تكن عملاً أكاديميًا يُعِدُّ دستورًا مثاليًا ليقدم مثلاً لما يجب أن يكون عليه الدستور، بل أعدت لتخاطب واقعًا قائمًا من ثلاث كيانات في دولة تحت البناء لم يترسخ فيها مفهوم الوطن بعد، فليس بالإمكان وضع دستور يرضي الجميع وإلا لتطلب الأمر في حالنا إصدار ستة ملايين دستور أو يزيد.

أكرر شكري وتقديري لأعضاء هيئة صياغة مسودة الدستور على ما بذلوه من جهود وما تجشموه من صعوبات وما واجهوه من متاعب من أجل إعداد هذه المسودة.. وسواء أقبلت في الاستفتاء أم رفضت فإن قيمتها ستبقى دائمًا عملاً تاريخيًا هامًا ومرجعًا له اعتباره وقيمته.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات