ليبيا لانعرفها ولاتعرفنا

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

في إحاطته الأولى بتارخ 28 أغسطس2017 منذ استلامه مهمته مبعوثا رابعاً للأمم المتحدة في ليبيا، ورئيس بعثتها لدعم عملية انتقالها السياسي، قدم غسان سلامة حوصلة لتحركاته واتصالاته منذ مباشرة مهامه قبل شهر، خالصا إلى تحديد ثلاث مسائل مهيمنة اليوم على المشهدية الوقائعية، وليست الواقعية، للسياسية الليبية.

يمكن اختصار هذه المسألية بتحوير تمليه تشاؤلية المُراقب المتتبع بمعرفة واختصاص لمسرح الانقسامية الليبية في ثلاثة توجّهات: التوّجه إلى حالة فراغ سياسي ناجمة عن انتهاء الفترة الانتقالية، التي حددها اتفاق الصخيرات السياسي في17 ديسمبر المقبل وهو مايخالفه السفير البريطاني بيتر ميليت ويعتبره فهماً مغلوطاً، فحسب رؤيته لا يوجد في الاتفاق شيئ بخصوص مدة انتهاء صلاحيته، التي لم يبق في حالة إقرارها بين الليبيين وبينها سوى مئة يوم، لاتبدو في ظل السجالات والانقسامية كافية لتحقيق معجزة تعديل الاتفاق السياسي.

ـ التوجه إلى نبذ الدستور الذي شقّتْ مسوّدته وابتذلتها السجالات التي مبعث أغلبها حسابات القبائليات والجهويات والانتهازيات السياسية المدعومة من أطراف إقليمية لإبقاء حال الإعاقة على ماهو عليه لعدم تبيّنها حصصها في الكعكة الليبية التي تتخطفها مصالح القوى الأوروبية الضالعة في التأزم الليبي، بل إن قوى الانقسامية الليبية سارعت إلى اختراق المسوّدة الدستورية بالطعون في المحاكم المبدئية والمستأنفة التي تخضع لسطوة الجهويات المعرقلة والممانعة التي تهدف إلى تعليق أمر اعتماد الدستور، إلى ما ستؤول إليه كلمة القضاء الأعلى الذي رُفع إليه الأمر في شأن إقرار صلاحية التصويت على مشروعه، وإعاقات مماطلة من قِبل رئاسة البرلمان في إصدار قانون الاستفتاء على الدستور، وطرحه على الشعب الضائع في جحيم الفوضى والخوف والعوز.

ـ التوّجه إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة مارس 2018 التي وصفها وزير الخارجية البريطاني في تصريحاته بالمتعجّلة، مشككاً في نجاعتها أن تكون نسخة من الانتخابات التي أُقيمت عام 2014 والتي في رأيه جعلت الأمور تتجه إلى الأسوأ، ناصحا الساسة الليبيين بالتعلّم ـ دون الانتباه إلى مفارقة المقاربةـ من غلطة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، وعدم إجراء انتخابات قبل أن يكونوا على أتم الاستعداد لها. بل أعلن شكوكه في وسائل الاعلام بعد زيارته إلى ليبيا والتقائه بأبرز الفاعلين في تأزمها السياسي كرئيس المجلس الأعلى المصطنع للدولة المطعون في دستورية انتخابه، وتجاوزه للاتفاق المبرم. أو رئيس المجلس الرئاسي المنتقصة شرعيته بأن لا وجود لمجلس رئاسي فعّال يقوده، أو نافذي كانتون مصراتة من قادة الميليشات، وأرباب المال.

تصريح الوزير البريطاني، الذي يصّب في إجراء انتخابات رئاسية رغم كونها مخاطرة غير مُستعّد لها أوحى باحتماليتها في ظل اتفاق أوروبي وفُسر بأنه تلويح بإمكانيتها وهو ما استجاب له ساسة ليبيا سريعاً. ومن رودود الأفعال الليبية نناقش استجابتين: باقتضاب. استجابة قائد مُسمّى "الجيش الليبي" بناء على ماذكره عن صحيفة بوابة الوسط 26 أغسطس 2017 وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون عقب لقائه به الذي وُصف من قِبل موقع الـ "بي بي سي" بـ "التاريخي" بأن المشير خليفة حفتر "تعهد بالتخلي عن الحكم العسكري إذا نجح وأصبح رئيسًا للبلاد“.

وفي خطوة موازية عن صحيفة بوابة الوسط 28 أغسطس 2017 نقلت عن النائب البرلماني المقاطع لجلسات البرلمان بمدينة طبرق مصطفى أبو شاقور أنّه أعلن استقالته من مجلس النواب اعتبارًا من هذ التاريخ، مشيرًا إلى أن هذا "القرار الصعب" لم يتخذه إلا بعد مشاورات مع كثير من الأطراف وعلى رأسهم "قيادات" سوق الجمعة.

لن أتوّقف طويلاً عند تصريح قائد مسمّى الجيش الليبي ولن أناقش عدمية تذّهنه، وانغلاقية تفكيره ورؤيته المثبّتة لتقدم التاريخ، ومجريات التغيير في طبائع الأشياء و تنكرّه لواقع التطور في عالم البشر الذي يحتوي الليبيين والذي لم يعد مكاناً تحكمه سطوة القائد والعسكرتاري الديماغوجي الذي يسير في اتجاه أُحادي، كما أني لن أبالي بالأسلوب الذي صاغ به وزير الخارجية البريطاني هذا التعهّد المضحك، وهو الذي عُرف بتصريحاته المثيرة، وميله إلى الدُعابة الساخرة واشتهاره بالإثارة والاستعراض والذي كان دائماً مثار الاستنكار السياسي منذ انتخابه عام 2008 عمدةً للندن، حتى اختيارة لتوّلي وزارة الخارجية كونه مساهماً أساسياً في محنة "البريكست"البريطاني.

النائب البرلماني المقاطع لجلسات مجلس النواب الأكاديمي السابق في الجامعات الأميريكية مصطفى أبوشاقور ترّشح بمشروعية انتمائه السابق لجبهة إنقاذ ليبيا، وشغله مهمة نائب رئيس الحكومة الانتقالية المسيّرة للبلاد مابعد إعلان التحرير حتى ترشيح المؤتمر الوطني العام لحكومة تالية وهو، كغيره من ساسة معارضة المهجر الأميركي والغربي، خاض غمار العمل السياسي، والتنفيذي وترّشح للانتخابات التي أفرزت البرلمان القائم اليوم في بلد قذف به حدث تغييري فجئي في قلب العاصفة وهم لايعرفون هذا البلد والبلد لايعرفهم.

الذين بحثوا في تاريخ ليبيا الحديث، استقلالا وتأسيس دولة، وتشكل الزعامية السياسية في قواعدها المجتمعية، يعلمون كيف تشكلّت القواعد المجتمعية للمترشحين لأول انتخابات برلمانية بُعيد الاستقلال عام 1952، وما أحاط بها من زوابع وتوابع تداعت حتى انتخابات 8 مايو 1965.

السؤال الذي ينطرح: ما الماهية المجتمعية التي تشكّلها ما تسمّى تجاوزاً اليوم بمنطقة "سوق الجمعة"؟. العارفون بالمجتمعيات الطرابلسية كانوا يطلقون على المنطقة اسم "الساحل" وسكنتها "السواحل"وتنقسم إلى ثلاثة سواحل فرعية "الهنشير والعمروص والقِرْوِد" أما مسمّى "سوق الجمعة" الذي التصق بالساحل مؤخراً حتى غيّب مسمياته المذكورة فهذا سوق يلّم عابري الأطراف الذين تأتي بهم مداولة مصالح العيش إلى السوق من اللحاف الريفي شبه البدوي المكوّن من رقيعات وختنة واباعيش وعكّارة وزناتة ذابوا في عرب العلاونة.

الباحث وأستاذ التاريخ الليبي الحديث صلاح الدين حسن السوري يؤكّد ما رميتُ إليه آنفاً بأن منطقة "سوق الجمعة" اتسعت طوبوغرافيتها فامتدت إلى مساحات واسعة، وتنوّعت سكانيا لتتجاوز العدد القليل من قاطنيها الذي عرفته حتى منتصف سعبنيات القرن الـ 20 وهو التبدّل الذي شمل العاصمة طرابلس في كل جهاتها التي تمتدّ اليوم من منطقة جنزور إلى القربوللي.

تغيّر الظروف هو ما يربك فلم يعد بالاستطاعة التعامل مع المتغيرات الجديدة. أمّا تجاوز المنطقة لمحدّدها البلدي من دائرة انتخابية تفككت هويتها المجتمعية بسبب التداخل السكاني لها إلى تشكّلها في هوية سياسية وهو مالمّح إليه العضو البرلماني المقاطع أبوشاقور في قراره بالتخلّي عن عضويته، وذكر بأنه تشاور فيه مع من أسماهم "قادة سوق الجمعة" فإنه يزيد المسألة التباساً فنضطر إلى مساءلته عن الهوية القيادية لهؤلاء القادة الذين لايشكلون شيئاً في العملية الديمقراطية حتى في ضربها الذي أطلقنا عليه اسم "ديمقراطية الواجهة" التي رغم مناقصها إلا أنها تقوم على قاعدة الناخبيين الذين يُدلون بأصواتهم لممثلّهم المناطقي.

عندما قرّر بداية عام 2015 أبوشاقور المقاطعة وعدم حضور جلسات البرلمان الذي تم انتخابه منذ 3 سنوات، وبسبب فوضاه معطل منذ سنة هل جمّع الـ (14000) ناخب من سوق الجمعة الذين فاز بأصواتهم ووضعهم في الصورة بشأن مقاطعته، وهل في يوم قرار استقالته المستحيلة الاثنين 28. 8. 2017 شاورهم في الأمر ووافقوه فيه وأعطوه الإذن أم أنه أخذ الإذن من القادة الذين لم يُنتخبوا بل فرضوا أنفسهم، لمعطيات تناولناها بالسرد في مقالاتنا عن ليبيا التي يخوض الجميع في سياستها بل في دمائها وفوضاها... ليبيا اليوم التي لانعرفها ولاتعرفنا!!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات