الشعر.. إزاحة السجن

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

يبدو بالرغم من الفراغات التي يحتازها داخله معتقل "أبوسليم" لرائيه، من خارجه المحيط، المسوّر بفضاء مشوّه بالقمامة ومجمّعات الخُردة، كُتلة مصمتة، ويبدو من داخله متاهة أو غابة خرسانية أدغالها تضرب عميقاً في الروح الدكتاتورية المشوّهة(1).

وفي هذه المتاهة السجنية 1978 ـ 1988 انتهت رحلة الشاعر محمد الفقيه صالح وجُلّ رفاقه من الكُتّاب بعد تمريرهم قبلها عبر السجون العقابية والجنائية الثلاثة وهي : الكويفية في بنغازي، والجدّيدة وبورتا بينيتو السجن الذي بناه المستعمرون الإيطاليون، لتلتصق ماهيته باسم بينيتو موسليني لوقوعه لصيقاً بأحد أبواب العاصمة الكولونيالية طرابلس، المسمّى به الزعيم الفاشي.

وقد اشتهر السجن بمدخله وبتمثال حصانه الأبيض الذي صار طلاؤه أسودَ بعد توّلي العسكر السلطة في ليبيا بانقلابهم على المَلَكية عام 1969 لقد توّفق الشاعر محمد الفقيه صالح مخيالياً ـ كما بيّنا في دراسات سابقة ـ (2) بموضعة السجن، في شعره كـ: ك: سيمولاكر simulacrum صورة زائفة أومحاكاة تافهة، ومدّد معناه في هذا السياق على المدينة الموازية ضمني لطرابلس في قصيدة إلى طرابلس الغرب كأيقونة مزيّفة، غابة للأسمنت،(3) أو متاهة مضاهية لمتاهة المعتقل الذي أودع فيه سجناء الرأي "كادحون/ تناهبتهم غابة الإسمنت غول هائل"(4). وفي السياق التأويلي الاستعاري الذي تقترحه البنيويات الشعرية لعملية "تكسير الانسجام الدلالي" ينزاح السجن كصورة تجربة يعاد عيشها بالكتابة كأي ظاهرة أخرى.

الزمن في السجن يتحرك في مكان محصور وحياة راكدة

وهو ماذهب إليه جان كوهن(5) في رؤيته للشعر كإزاحة تكسر التتابع المنطقي لتنامي الحدث، وتغفل تعمّداً إيجاد مسبب له. وعملية التكسير والتي من ضروبها الصورة البلاغية وأدواتها "الاستعارة، والكناية، والجناس" تترّتب عناصرها كما يرى "توماشفسكي"في نمطين رئيسيين: بخضوعها لمبدأ السببية، أيّ اندراجها ضمن نظام زمني معين، أو عرضها فيما ذهب إليه كوهن دون اعتبار زمني في تعاقب لا اعتبار فيه للسببية.

وفي السجن السياسي الذي لامسببات منطقية له ككناية أو دلالة أوتوقراطية ليبية ، يكون الأنفذُ عذاباً فيه ماعبّر عنه عمر أبوالقاسم الككلي بالحصر ببعديه المكاني والزماني: فـ "مثلما يحدد السجن حركة الإنسان السجين من خلال حصر جسده في حيز محدد "يضيق أو يتسع"، فإنه يجمّد الزمن ويحصره أيضاً، حتى ليكاد أن يلغيه (…) الزمن في السجن يتحرك في مكان محصور وحياة راكدة. مثل الشخص الذي يتحرك مراوحا في مكانه. إنه يتحرك ويصيبه من التعب ما يصيب الماشي، لكنه لا يتقدم (...) وهذا التجمد يزداد صلابة بالنسبة إلى سجناء الرأي إذا كان دخول الكتب والمطبوعات إلى السجن محظورا أو شبه محظور“.(6).

ولكننا كقراء للشعر يتوجّب علينا موضعة الشاعر في سياق مغاير وموازٍ لسياق السجن وهي الخطوة التي ينبغي أن يتوّخاها من يكتب عن الشاعر محمد الفقيه صالح ـ ورفاقه الكُتّاب ـ بغرض موضعته، خارج سجنه، سجن عمره الجميل، وينبغيات الكتابة تشترطها انتماءات الكاتب لحقبة الشاعر الزمنية وانغراسه نقديّاً في الخارطة الإبداعية لجيل أدباء الحداثة السبعينية الليبية التي وأد السجن رموزها المُبكرة، ويكون ذلك في حكم اللازم، إذا ما كان الكاتب والشاعر ينتميان إلى المنطقة الثقافية المسكونة بالانغلاقية المجتمعية غالباً والملّغمة بالدكتاتورية ـ الأتوقراطية استثناءاً مديداً لأربعة عقود 1969 ـ 2011، كـ: ليبيا، حيث ماينفكّ الاستبداد ونظامه بوجهيه السياسي ونتاجه المجتمعي، يعصف بالشعر مُلقياً به في شراك الالتباس، ومصائد الارتياب ويعسف بالشاعر، فيركنه في زوايا العزل والإهمال بل و ـ دون سبب مقنع وظاهر ـ يلقي به في مفارقة ـ تخص الأوتوقراطية الليبية الصارخة في لامعقوليتها ـ في أقبية سجون الإكراه المعتمة بالنسيان.

وهو الحيف الذي طال الشاعر محمد الفقيه صالح ورفاقه الكُتّاب "السبعينيين" لعقد من الزمان 1978 ـ 1988، بل حاق قدر التهميش والتضييق، وتجفيف المنابع بالحركة الأدبية عموما بأن سحب لعزلة السجن الجيل السبعيني برمّته، اللاحق لجيل كُتاب الستينيات الذي أسكتته ماسميّت بالثورة الثقافية عام 1973 عن فعاليات التعبير المجتمعي المؤثر والفعّال، وأجهض استمرارية الأجيال الأدبية اللاحقة بالقطيعة، مما عتّم الرؤية لجيل تالٍ سيأتي في الثمانينيات، والتسعينيات فيلقى نفسه يضربُ في المجهول المعرفي لشروط الكتابة، بلا بوصلة ولادليل، فسقطت جُلّ رموزه الواعدة ـ عدا بعض الاستثناءات النادرة ـ في ضحالة الامتثالية الثقافوية (7) والشكلانية بدون شكل تعبيري مميّز، وملموس، ليختفوا مبكراً من المشهد الثقافي المعتّم بإكراهات الدكتاتورية وانسداداتها، وليعود بعضهم للكتابة بحماس مرتبك بعد خروج شعراء وكُتّاب الجيل السبعيني من السجن في ما عُرف ابتذالا بحدث "أصبح الصْبحُ".

إن المعرفة بالشاعر وشعره هي المعرفة بمحطات الحياة، الطفولة والصبا، والشباب، إحراجات الأقدار وتعسّفاتها، المسرّات والتعاسات، القراءات الأولى المؤثرة، والقراءات ـ المعايشات الحاسمة، والتناصّات. والعارف بالشاعر محمد الفقيه صالح، يدرك حجم المؤثر الأدونيسي، الذي مثّله شعر علي أحمد سعيد المشهور بـ: آدونيس وامتداداته الغنائية المضاهية له الممثلة في شعر المقاومة الفلسطينية الثلاثي توفيق زياد وسميح القاسم، ومحمود درويش، وامتدادات السيّاب في العراق.

تعرّفت على الشاعر محمدالفقيه صالح، في"مربوعة عمر أبو القاسم الككلي" في صيف عام 1975

وهو الزخم التعبيري الذي انعطف بشعر الفقيه إلى الدائرة الأساس، غنائية العالم المديني الذي التبس بـ "نثر المدينة" والذي مظهرته مجموعة من التحوّلات الاقتصادية والمجتمعية (8) في ليبيا الستينية من القرن الـ20 في الشعرية الليبية مابعد الرومنطيقية التي أرهصت لها أشعار علي الرقيعي، وعلي صدقي عبد القادر، وخالد زغبية؛ بل إن الشاعر أدونيس أنقذ شعر الفقيه من المؤثر الرومنطيقي ( الريفي) الذي مابرح يتلبس الشعر المصري الحديث الذي ألمّ به الشاعر الفقيه بحكم المعاصرة، إبّان وجوده في مصر 1972 ـ 197، عبر الصداقة التي نسجها مع أعضاء المجموعة الشعرية من الشُبّان المصريين من ذوي الأصول القروية لرسم خطوط رؤية إبداعية مصرية مع مجموعة من تسمّوا بجماعة "إضاءة 77" الذين أعلنوا عن أنفسهم عام 1977 في أشعارهم وفي المانيفستو بيانهم كخوارج على قصيدة التفعيلة التي اختط ريادتها في مصر شعراء سبقوهم هم أيضاً من أصول ريفية،كـ: صلاح عبد الصبور ، أحمد عبد المعطي حجازي، محمد ابراهيم أبوسنة، وحسن فتح الباب. ولكن الثورة التي مسّت شكل الشعر لم تمس روحه الريفية الصميمة، التي عبّر عنها ديوان الشاعر حجازي الأوّل في هجاء القاهرة ووصفها بـ "مدينة بلاقلب".

لقد تعرّفت على الشاعر محمدالفقيه صالح، في"مربوعة عمر أبو القاسم الككلي" في صيف عام 1975، بعد عودته النهائية من مصر إلى ليبيا، وذلك العام كُنا التحقنا الككلي وأنا بجامعة بنغازي، وبدأت صحيفة الأسبوع الثقافي، سنة 1977، تفسح صفحاتها لإبداعات "السبعينين الشبّان" كـ:الفقيه والككلي وعبد الرزاق الماعزي ومحمد الزنتاني ومحمد المسلاتي، وداوود الحلاّق، وعبدالسلام شهاب، وقبل ذلك بقليل أسس الكاتب الصحفي أحمد الفيتوري صفحة أسبوعية هي "آفاق ثقافية: كتابات شابة " في الصحيفة اليومية الفجر الجديد، لينتحي بإبداعات رفاقه لتكون لهم براحا جديداً وتكون منبراً لأصوات وحساسيات إبداعية شابة وواعدة مثلّها كلٌ من: علي الرحيبي، وعلي عبد اللطيف احميدة وعبد العظيم شلّوف وعبد السلام شهاب، ومحمود العرفي، وجمعة بوكليب وغيرهم فيشكلوا جوقة مغايرة لما عُرف بجيل أدباء الستينيات الرائد في كتابة القصة والشعر الذي حظي بشاعرين ملهمين هما علي الرقيعي، ومحمّد الشلطامي.

قبل ذلك بعام وتحت إشراف الإدارة العامة للثقافة، ينعقد في طرابلس 15 يونيو عام 1974 مهرجان الشعر الوطني، الناقد والكاتب خليفة التليسي الذي عُرف بدراساته النقدية الموضوعية الجادة، التي كرّسها عن شاعر الوطنية الليبية الإحيائي أحمد رفيق المهدوي وعن المقارنة بين الشاعرين الشابي وجبران مستلهما الرؤى الرومنطيقية في نقده المبكر الذي اتسّم بالروحية الانطباعية لمدرسة الديوان، والمهجر والنقود الأوروبية التي ألمّ بها بحكم درايته باللغة الإيطالية.. التليسي الذي يفتح النار على الشعر والشعراء في مقالته الصاعقة "موت الشعر في القصيدة" وقد شعر بأن الرومنطيقية قبل أن تأخذ مداها الزمني فتنضج تمّ وأدها بما أطلق عليه الكاتب كامل المقهور بشكل معمّم اسم "الواقعية الجديدة ". إلا أن رصانة التليسي وموضوعيته لم تكن بمنجاة له بأن يدفع ثمن شجاعته باهظاً فالشعراء لم يمهلوه. بل كشفوا عن أنيابهم فجأة وغرزوها في جسده.. وكان في مقدمتهم الشاعر علي صدقي عبدالقادر (9) الذي يصعب تصنيف نصوصه المنفلتة من التسميات والموضعة حتى اليوم شعرا.ً

عام 1976 وقد صار الشاعر محمد الفقيه من روّاده، يلقي في أمسية شعرية بالمركز الثقافي التونسي قصيدة. الكاتب محمد الزنتاني الذي حضر الأمسية الشعرية يصف لنا حالة التليسي وردّة فعله بعد انتهاء الفقيه من إلقاء أشعاره: "في أمسية شعرية، مبهجة،لا تُنسى، قرأ فيها محمد الفقيه، قصيدته الشهيرة، "دفء الابتهال، في حضرة الدموع و الاشتعال" و في اللحظة التي أنهى فيها قراءة القصيدة انتفض الرجل الكهل الناقد خليفة التليسي واقفا من على كرسيه، بحماس، كمن يريد أن يرقص، لولا وقار اجتماعي، لابد أنه منعه من ذلك، و قال بتوتّر وانفعال، وكأنه وجد شيئا افتقده لزمن، وكاد أن ييأس من الحصول عليه: هذا هو الشعر، نعم هذا هو الشعر الحقيقي الذي نبحث عنه !“(10).

الشعر الذي بحث عنه التليسي فوجده في شعر محمد الفقيه صالح

الشعر الذي بحث عنه التليسي فوجده في شعر محمد الفقيه صالح، الذي سيغيّبه السجن بعد عامين ، ولعقد من الزمان 1978 ـ 1988، تميّز في الشعرية الليبية السبعينية، بخصائص، بل ببصمة فارقة ميّزت شعره في الخارطة الإبداعية للحداثة الشعرية العربية السبعينية للقرن الـ20، بل إنيّ أعتقد جازما أن لاشاعر في الشعرية الليبية، قبل وبعد ـ حيث لايوجد اليوم في ليبيا شعراء مؤثرون ـ كالشاعر محمّد الفقية صالح اشتغل على اللغة، باحترافية حسّاسة ورصينة، ومثّل الصوت المؤسس شعريا لحداثة السبعينيات الليبية، بل ـ وهذا ماميّزه عربياً ـ نجده اتخذ لنفسه الموقف الناضج والمعتدل، بين موقع الإفراط في المباشرة السياسية الزاعقة، وبين موقع الإفراط في التركيب والتجريب. بل، مستنفداً أغراض وآليات "الجمالي التجريبي"، نقرأه ينهج تنوعاً ملحوظاً في تقنياته الفنية: التزام الوزن الخليلي والقافية المتراوحة، وهي التقنية التي اعتمدتها حركة الشعر الحر.. استخدام الأناشيد الداخلية كمحطات غنائية، إيقاعية في مسار النص، تشرح أو تلخص أو تمهد المناخ أو توجز الحكمة والعبرة، ترك القافية تماماً أحياناً. وترك الوزن تماماً أحياناً واعتماد الحوار أحياناً، واعتماد الصوت المفرد أحياناً، واعتماد تعدد الاصوات احياناً.

(11) الحقبة الأدبية السبعينة ممثلة في شعريات (12) ـ محمد الفقيه صالح، وإدريس بن الطيّب، والسنوسي حبيب، وعمر أبو القاسم الككلي،ومنصور أبوشناف، ومحمّد الزنتاني، وجمعة بوكليب، وعلي الرحيبي، ورمضان سليم الذي كتب بجدارة في النقد الأدبي ـ من انتصاراتها أنها صمدت رغم إهزامها وإبهاظ روحها بالسجن والكبت والتهميش والإبعاد في المنافي. بأنها أعادت الكتابة الليبية الستينية بحضور لافت، وبزخم جديد للكتابة الستينية التي مثلتها شعريات كامل المقهور، وعلي الرقيعي، وعلي صدقي عبد القادر، وبشير الهاشمي، ويوسف الشريف، وأحمد إبراهيم الفقيه، وخليفة التكبالي، وصادق النيهوم، وعلي الفزاني، ومحمد الشلطامي، بل طرحت من جديد استقلالية روح الكتابة الليبية، بل الروح الليبية التي تمّ وأدهها في السجن صورة زائفة ومحاكاة تافهة، وبالتعبير ذو الدلالة الأفلاطونية simulacrumسيميولاكر، زيف الثقافة التي تخوض في نفقه ليبيا منذ ماسمّي بالثورة الثقافية عام 1973 حتى مخاض ماسمّي بثورة الربيع الليبي وقد أضحى خريفا مبكراً بعد عام 2011 وحتى تاريخة عام 2017.

هوامش :
1ـ لقد قُيّض لكاتب الدراسة أبريل عام 2013 زيارة سجن أبوسليم بمناسبة إشهار جمعية سجناء الرأي، وقد لفّ مع بعض أصدقائه الكتاب وزملائهم الذين سُجنوا معهم، من مختلف التوجّهات السياسية والفكرية، بالزنازين والعنابر، والقواطع، والممرّات، والساحات الصغيرة للتمشيّ، والتهوّي إلخ. بخصوص روح الدكتاتورية المشوّهة التي تماهت بمخطط بناء السجن انظر: نور الدين خليفة النمر، مدوّنة السـجـن الليبية: قراءة أولى في سرديات المثقف الليبي السجين
http://www.el-kaf.com/Articles.aspx
2ـ نورالدين خليفة النمر، الشعر في عقلانية السجن، 11 يونيو 2017 ، مدائن صالح: غابة الإسمنت،19 يونيو 2017 ،كروزو!.. الوجه والكفّ المقلوبة، 26 يونيو 2017 ،مَهمّة في "المالديف"، 2 يوليو 2017، بموقع صحيفة بوّابة الوسط.
3ـ في مفهوم السيمولاكر يُرجع إلى: نورالدين خليفة النمر/ مدائن صالح: غابة الإسمنت/ في آراء ، بموقع بوابة الوسط 19 يونيو 2017/
4ـ محمد الفقيه صالح / إلى طرابلس الغرب /مجلة الناقد (لندن) العدد 23 ،مايو 1990
5ـ بخصوص نظرية جان كوهن، في الانزياح الأسلوبي يراجع كتابه "بنية اللغة الشعرية" ترجمة محمّد الولّي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، ط 1 .1986 الصفحات 15 ،16 ،17.
6ـ عمر أبو القاسم الككلي/ تجمّد الزمن (مقال) بقناة 218 الليبية
/ https://www.218tv.net مايو، 2017
7ـ في رسالتي المُحرّرة بمدينة باريس بتاريخ10.07.1995 التي أرسلتها للشاعر محمد الفقيه صالح جواباً عن تساؤله في خطابه المُرسل لي من مدينة جنيف في 30.09.1995حيث كان يقيم إلّي في مدينة أولدنبورغ /شمال ألمانيا حيث كنت أعيش حتى عام 2003..كتبت له مبديّاً رأيي في عدد مجلة الناقد اللندنية المخصص حول الأدب الليبي المعاصر السنة السابعة العدد 80 فبراير 1995 مُركّزاً على الأصوات الثمانينية الثلاثة البارزة الشعراء مفتاح العماري،وعمر الكدّي، وسالم العوكلي فأقول في الشاعر مفتاح العماري بما ينير هذا الهامش: "... أن نصّ العماري لايزال يعاني من غياب المعمارية والنسق التعبيري الشعوري الداخلي، وعدم تماسك الحسّ الدرامي (الملمح الذي يميّزه عن نظرائه من جيله الشعري) الأمر الذي يجعل من قصيدة العماري تكوينا من الجُزر النصيّة المنعزلة التي تنطوي على حالات عاطفية، وشعورية ـ رغم حرارة صدقها أحياناً ـ تظل في الأغلب مُفكّكة ومنكفئة على الذات.. ومن أجل تلافي هذا التفكّك الذي يرجع إلى تناقص الاكتمال الشعوري يلجأ العماري لتغطية عجزه التعبيري باستدعاء شكلاني مصطنع" ملاحظاتي على الكدّي والعوكلي تحوّطاً من إطالة الهامش أرجئ إيرادها إلى مناسبة أخرى. وأضيف أن بعضاً من قصائد مفتاح العماري، وأشعار عمر الكدّي تمثل استثناءً، راجع قراءتي في شعر عمر الكدّي، نورالدين خليفة النمر، "تحذير إلى القارئ"، قناة 218 الليبية ، 21 ديسمبر ، 2015
8 ـ نورالدين خليفة النمر، أشواق علي الرقيعي الصغيرة، موقع بلد الطيوب،14 يوليو, 2017 ، أيضاً منصور أبوشناف “نثر المدينة.. قراءة في القصة القصيرة الليبية”، مجلة الفصول الأربعة العدد:‬95 ‬ السنة ‬2001/‬4.
9 ـ فوزي البشتي، الكلمة الشرارة، دار الكتاب العربي ،طرابلس، ط1، 1-10-1974ص 23
10 ـ محمد الزنتاني ،هذا هو الشعر عن صفحته الشخصية على الفيس بوك 18 يونيو 2015 .
11 ـ حلمي سالم، محمد الفقيه صالح كيف توارى شاعر الحداثة المضيئة في غياهب الظلام !، صحيفة الحياة، لندن ، 30/ 8/ 2001
12 ـ الشعرية" poetics " المقصود بها هنا السمة الأدبية التي اختصت بها نصوص هؤلاء الكُتّاب، الذين تميزوا بكتاباتهم مع الفوارق في مستوى الكتابة بينهم قبل دخولهم إلى السجن أو سجن العزلة الذي طال أيضاً الكُتّاب الليبيين من مجايليهم أو من الجيل الستيني الذي ظهر قبلهم. ومفهوم الشعرية استنبطه "الشكلانيون الروس" من الوصوف النقدية التي شملت ضربي الأدب الشعر والنثر، اللذين جمعهما مفهوم "النصّ" الذي اقترحه البنيويون. فالوصوف النقدية الألمانية حتى بداية القرن العشرين كانت تُطلق على نثر فرانتز كافكا كلمة شعر، والروسية تطلق على نثر غوغول التعبير نفسه.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات