شقاء بعد عطاء وفداء ... إنقاذ درنة

نورالدين السيد الثلثي |
نورالدين السيد الثلثي

نظرةٌ عابرة إلى الوراء
عطاء مدينة درنة الجهادي يمتدّ بطول تاريخها العربي الأندلسي الإسلامي والوطني الحديث؛ يعود إلى حقبة الفتح الإسلامي في مواجهته للروم وشهادة صحابة رسول الله على أرضها، وإلى التصدي لأول حملة أمريكية خارج الولايات المتحدة سنة 1805، والجهاد ضد الإيطاليين، وفي فلسطين سنة 1948. وبنفس الأهمية كان زخَم عطائها في ميادين الأدب والشعر والمسرح والفنون، والإدارة والعمل العام في شتى مجالاته.

طبَع المدينةَ تمرّدٌ على السلطة ونُزوعٌ للوقوف بوجه الحاكم، وعانت بسبب ذلك الكثير

طبَع المدينةَ تمرّدٌ على السلطة ونُزوعٌ للوقوف بوجه الحاكم، وعانت بسبب ذلك الكثير. كان نصيبها من العقاب إبّان النظام السابق كبيراً جداً؛ لا يوضع بحالٍ في فئةٍ واحدة مع ما حلّ بعديد المدن الليبية من تهميشٍ أو إهمال. فقرُها وبؤس شوارعها ومدارسها ومرافقها ومستشفاها الوحيد ما تزال شاهدة. يربط الكثيرون بين إهمال المدينة وفقرها من جانبٍ، وبين ظاهرة التشدّد في الدين ووِفادة مذاهب ومدارس فكرية دينية غريبة عن البلاد، وظهور جماعاتٍ تتخذ من العنف طريقاً لتحقيق غاياتها من جانبٍ آخر. ذلك، فيما أرى، واحدٌ من الأسباب وليس فيه تفسيرٌ كاملٌ للحال الذي آلت إليه المدينة، خاصةً أن ظاهرة التشدّد والتطرّف والإرهاب - بدرجاتٍ متفاوتة - لم تكن قاصرةً على درنة؛ نراها في كامل الوطن وفي عالمنا الإسلامي على اتساعه. للتشدّد والتطرف، بامتداداتهما الإرهابية، أسبابٌ اجتماعية واقتصادية وسياسية ودولية عميقة ومتشعّبة، لها أهلُ اختصاصٍ ينظرون فيها؛ يحلّلونها ويجتهدون في تفسيرها.

وبعد 2011 تضاعفت المأساة في السنوات الأخيرة بانهيار الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية وظهورِ العنف والإرهاب كاشفاً عن أنيابه على يد جماعاتٍ من المدينة ووافدين من خارجها. قامت الجماعات المسلحة بحملة اغتيالاتٍ وتفجيراتٍ وتفخيخٍ طالت عسكريين ورجالَ أمن سابقين ورجال قضاءٍ ورموزاً من المجتمع المدني، كان من أبرز ضحاياها النائب العام الأستاذ عبد العزيز الحصادي وعضو السلطة التشريعية السيدة فريحة البركاوي، وتجاوزت بعملياتها حدود المدينة إلى غيرها من المدن الليبية. وحالت دون مشاركة المدينة في الانتخابات التشريعية الثانية. واتخذ العنف منحىً جديداً وأشكالاً من التوحّش غير متخيَّلة بظهور تنظيم داعش الذي نشر الرعب حتى انفجار خلافاته مع التنظيمات الأخرى في مواجهة مسلحة انتهت بطرده من المدينة وبقاء تنظيم شهداء بوسليم فيها بدرجة رئيسية.

وبظهور الجيش وحملته العسكرية الجارية وجد أهل درنة أنفسهم بين مطرقةٍ وسندان

وبظهور الجيش وحملته العسكرية الجارية وجد أهل درنة أنفسهم بين مطرقةٍ وسندان. انتهت معارك الجيش في كلّ الشرق الليبي، وفشلت - حتى الآن - مساعي الوصول إلى حلٍّ يضمن أمن المدينة وسلامة أهلها وإنهاء التواجد المسلح فيها، وأصبحت المواجهة بين الجيش والجماعات المسلحة بالمدينة شبه حتمية. طُوِّقت المدينة ووُضعت تحت حصارٍ شمل الغذاء والإمدادات الطبية والوقود والتنقل.

معاناة المدنيين ومصالح المزايدين
حصار المدن والمناطق الآهلة بالسكان عملٌ ظالمٌ ومرفوضٌ من مبدئه ومن منطلقاتٍ أخلاقية إنسانية، وحصار درنة مرفوضٌ من زاويةٍ شخصية فهو حصارٌ للأهل أعماماً وأخوالاً وأجداداً في مراقدهم تحت ترابها. سيقول قائلٌ إن للأعمال العسكرية ضروراتِها، ولن تُبطِل تلك الضرورات – متى كانت لا مناص منها – حقيقة أن حصار المدن وسيلةُ حربٍ غيرِ أخلاقية.

تحت الأمر الواقع الذي نرى، يجب في الحدّ الأدنى أن تُخَفَّف وطأة الحصار وآثاره على سكان المدينة. ذلك يعني دخول الغذاء والإمدادات الطبية والوقود إلى سكان المدينة المدنيين من دون عوائق، وتسهيل تنقّلهم من المدينة وإليها، فلهم احتياجات إنسانية وارتباطات اجتماعية لا علاقة لها بالعمليات العسكرية يجب أن تكون هي أيضاً محلَّ اعتبار.

العلاقات بين أهل المدينة وجوارها يطبعها احتقانٌ شديد تعود جذوره إلى العهد السابق وزادت حِدّته في السنوات السبع الماضية

ولأن حصار المدينة ومعاناة أهلها أصبحا مسألةً يتقاذفها اللاعبون في ميادين السياسة والمصالح والمزايدون والمختلقون كلٌّ حسب أهوائه، فالجيش مدعوٌّ أيضاً لقطع الطريق أمام هؤلاء. في نفس أهمية مراعاة الجوانب الإنسانية والاستجابة لضرورات حياة المدنيين، يجب أن يكون ذلك واضحاً لا ينتقص من حقيقته تشكيكٌ أو توظيف. الهلال الأحمر الليبي، بإشرافه ومراقبته، يمكن أن يلعب دوراً محورياً في هذا السبيل، وأمضي إلى ما هو أبعد لأقول إن الهلال الأحمر الإسلامي أو حتى الصليب الأحمر الدولي قد يكون لهما دور.

وبما أن العلاقات بين أهل المدينة وجوارها يطبعها احتقانٌ شديد تعود جذوره إلى العهد السابق وزادت حِدّته في السنوات السبع الماضية، فالجيش مدعوٌّ كذلك لأن يقصِر عملياته على وحدات المؤسسة العسكرية النظامية المنضبطة وألا يسمح بالالتحاق بعملياته لأيٍّ كان تحت أيّ مسمّىً ومن أيّ شكل. وتقع على الجيش مسؤولية حفظ الأمن والسلم ومنع أعمال الانتقام والثأر والفلتان الأمني بأشكاله.

تلك مسؤوليات كبرى ولن ينفع الجيش عذرٌ في الإخلال بها. وليلتزم المزايدون حدود الأخلاق في مثل هذا الموقف الإنساني.
"والصلح خير." صدق الله العظيم

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات