الفردية في عالم ينهار

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

يشهد عالم الغرب اليوم تلاشي قيمه الديمقراطية، وفي شقي العالم تنهار المؤسسة السياسية، ففي الديمقراطيات الكبرى وتوابعها تنهار الأحزاب التاريخية، وتبزغ بديلاً عنها أحزاب القضايا المحدّدة المصالح، والشعبويات التي تتلاعب بمخاوف الأفراد، وفي جنوبه تظهر الدول الفاشلة، بل نشهد انهياراً لدول بلغ عددها في حدود الخمسين دولة، أغلبها في القارة الأفريقية ومنها ليبيا، منهارة وعاجزة عن تأمين الحقوق الأساسية للأفراد الذين ينضوون في حكم مواطنتها. وهو مايضع مبدأ حقوق الإنسان القائم على النزعة الفردية Individualisme موضع تساؤل وإحراج.

منذ القرن الـ 18 اقتصادياً وسياسياً تبلورت "النزعة الفردية"جزءاً بارزاً في النَّسق الإيديولوجي الليبرالي، كونها العنصر المؤسس والجوهري لنشأة الحداثة، المرتبط بمفهوم إيجابي يُعيد للفرد حقوقه في التفكير والانتقاد والاعتقاد تجاه تمامية التفكير والتدبير (holisme) التي سيطرت في عصور ماقبل الحداثة. ففلسفة عصر الأنوار قامت على تمجيد الفرد، وربطت ذلك بقيمتي المساواة والحرية وهو ما أعطى للفردانية أَبعادها الثورية المتصلة بإعادة تحديـد حقوق الإنسان وتدعيمها ضد الوطء عليها من قبل كليانية المجتمعات السياسية.

مع نهاية ألفية القرن الثانية بدأت الليبرالية السياسية والاقتصادية تكتسب مواقعها في المجال الثقافي، باستحضار نظريات الاستقلالية الفطرية أو الطبيعية المؤسسة على مبدأ الفرد قبل الجماعة، فكلما استقل الفرد، وتعزّزت حرّيته، كلما تعززت حرية الجماعة التي يشكلها الأفراد، وفي اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان يتحرر من قيود نفسه، تنبثق الحرية بمفهومها الحداثي الذي يلخصّه ب. كونستانت في جملة من البنود : ”لأي شخص الحق في ألا يخضع إلا للقوانين المتفق عليها، وألا يقُتل أو يُعذب أو يُقمع أو يساء إليه بأي شكل من الأشكال، من قِبل الإرادة الاعتباطية لشخص أو مجموعة أشخاص. كما أن لأي شخص الحق في التعبير عن رأيه، وأن يختار مهنته أو حرفته وأن يمارسها، وأن يتصرف في ممتلكاته، وأن ينتقل، وينتقل بها من مكان إلى آخر دون مراقبة مسبقة لنواياه أو دوافعه. وحق الشخص ينبغي أن يكون مكفولاً في أن يجتمع مع أشخاص آخرين سواء للحديث عن مصالحه أو لترويج معتقداته والتعبير بحرّية عن طقوسها التي يتبناها هو وشركاؤه، أو لمجرد التمتع بضروب الترويح عن النفس، والتسلية. وأخيراً، لأي شخص الحق في أن يؤثر على سياسة الحكومة”.

بند حق الفرد أو الشخص في التأثير على سياسة الحكومة، هو الذي يمّد في روح الفردانية ليستمر وجودها عبر عقود العصر الليبرالي، فتكتمل اليوم هويتها في الغرب وبسبب تماهيها بالظاهرة الديمقراطية، يصبح نفوذها لايُقاوم، ورغم النقود الموّجهة إليها، إلا أن المشرعين السياسيين، والمنظرين من فلاسفة علوم السياسة لم ُيلقوا بالاً ولاسمعاً للأصوات الناقدة لسلبياتها، والمنذرة بمخاطرها.

البرجماطي جون ديوي في كتابه "الفردية قديما وحديثاً"،المنشور سنة 1930 وقرأناه عام 1973 ونعود إلى قراءته اليوم كان أول الناقدين الذي أتي بأسانيد لإظهار صورة انهيار فلسفة حياتية فردية في أميركا قُرنت بأفكار عن المبادأة والابتكار، ارتبطت بالربح الاقتصادي الذاتي والخاص، وأنتجت التفكير التجاري غير المتحد بذاته، بل المجزأ والمنقسم على نفسه، إزاء الصناعة كونها القوة الفاعلة التي لاتزال نتائجها حتى مابعد صدور كتاب ديوي في ثلاثينيات القرن الـ 20 تقرر شكل الحياة في الصورة التكتليّة والجماعية، التي تكوّنت على ركامها خطة جماعية تقوم على التساند والتكامل، وتنفذ إلى كل سبل الحياة الشخصية، والعقلية والعاطفية.

التقابل فرد ـ جماعة الذي ألمح إليه جون ديوي وهو يرصد تطوّر المجتمع الصناعي الأميركي دفع السوسيولوجي فيردناند تونيس إلى التمييز بين مصطلحين في اللغة الألمانية يردان في هذا السياق هما: المجتمع " Geselschaft" والجماعة" Gemeinschaft" الأوّل يشير مفهومه إلى تجمع بشري يرتبط فيه الناس فقط من خلال علاقات عملية منافعية، بينما يحيل مفهوم الثاني إلى تكوين اجتماعي توحده شبكة من العلاقات تجعل هذا الكل "الجماعة" يحظى بالأسبقية على الجزء "الفرد".

ولكن ديوي مايفتأ يشير في كتابه إلى تعرّض الفردية القوية والباسلة للانهيار، حيث تتوفر المخاوف من دوافعها المحركة وتعويضاتها التي ظلت شخصية، مغرقة في فردييتها. وهي المخاوف ذاتها التي كرّس لها إريك فروم عام 1942 كتابه "الخوف من الحرية" متناولا المسألة بصورة نقدية، مُرجعاً البحث في حرية الإنسان الحديث إلى الظروف الاقتصادية التي ساهمت في زيادة عزلته وعجزه في الحقبة المومأ لها بالصناعية، مشيراً في ذلك إلى النتائج السيكولوجية المتحققة من إفضاء العجز البشري إلى تطابق اضطراري يمليه سياق العملية التي يصبح فيها الفرد المنعزل آلة ويفقد نفسه، في الوقت الذي يتصوّر نفسه شعورياً أنه حر ولايخضع الا لنفسه.

هذا الشعور الوهمي يرصده جون ديوي عام 1930 سياسيا في ظاهرة الانتخابات الرئاسية، التي يقرّرها عند الأميركيين منذ ذلك الوقت الشعور بالخوف، فمئات الألوف من المواطنين، الذين يصوتون لمرشحين مستقلين أو لمرشحين من الديموقراطيين في الانتخابات المحلية أو انتخابات الكونغرس السنوية الفرعية، يعطون بانتظام أصواتهم للمرشح الجمهوري للرئاسة (…) بسبب خوف غامض من انتقالها إلى الحزب الديمقراطي، مما يسبب في عرقلة الحركة المالية والآلة الصناعية الأميريكية بوضع العصا في دواليبها. المفارقة في هذا الخوف أنه يشمل صغار التجّار، وأصحاب الحوانيت، ويسيطرعلى العمال ـ بمايحيل اليوم إلى عمال حزام الصدأ Rust Belt الذين انتخبوا الرئيس ترُمب ـ بأن يصيروا أمس واليوم المعين الذي يوّفر للحزب الجمهوري الحاكم بكل تداعيات موته أسباب البقاء والحياة.

الخوف في عالم تنهار قيمه الحقوقية، بسبب انحراف السياسات الغربية عن الليبرالية الأصلية، يصعّد من سيادة فكرة “الجماعة” هويةً ومصالحَ ومخاوفَ في المجتمعات الغربية على حساب مبدأ الفرد الحر في العالم الجديد الشجاع بتعبير هاكسلي. بما ينبئ بعودة إيديولوجيا ”الجماعة” التي تبزغ في العالم كماهو في بلداننا ملجأً للفرد وحامية له عند انهيار الدول.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات