الأخ الكبير

نورالدين السيد الثلثي |
نورالدين السيد الثلثي

لم يكن متوقعاً، أو مُتصوّراً عند الكثيرين، أن يُنتخب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، ولم يكن متوقعاً تصويت البريطانيين لصالح الخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي. لذلك، أثارت النتائج نقاشاتٍ واسعةً وتحقيقاتٍ صحفية تناولت سقطاتِ استطلاعات الرأي، والدورَ المتضائل للصحافة التقليدية، والآخرَ المتناميَ لوسائط التواصل الاجتماعي، ولكن الجديد كان أكبر وأعمق.

تتقدم العلوم والتقنيات ومعها تظهر أدواتٌ جديدة ويبرز إلى السطح لاعبون جدد. لقد تطورت تقنيات الاتصالات والمعلومات في بضعة العقود الماضية في قفزات كبرى ومتسارعة. وأصبح العالم، أفراداً ومؤسساتٍ، مترابطاً عبر شبكات تواصل وتراسل، يسيّرون أعمالهم ويتابعون الأخبار ويقومون بالبحث ويتلقّـوْن جوانب من تعليمهم ويشترون ويبيعون ويرفّهون عن أنفسهم ويتابعون هواياتهم على الشبكة online. ومنّا مَن يعرف، وأكثرنا لا يعرف أو لا يأبه، بأن كلَّ اتصالٍ وكلَّ رسالةٍ ومنشورٍ ومكالمةٍ وصورةٍ، وكلَّ نقرةٍ على لوحة المفاتيح تمرّ عبر الإنترنت، مرصودةٌ ومخزونة في مكانٍ ما من الفضاء المعلوماتي الكبير. بيانات كبرى big data تحمل في طياتها دقائق العلاقات الشخصية والمراسلات والمنشورات والمشتريات والأسفار والمعاملات المالية لملايين المتواصلين عبر الإنترنت وزوار المواقع؛ مَن يملكها ويملك معها القدرة التقنية على تحليلها واستخلاص المعلومات منها يملك سلاحاً خطيراً.

للمعلومات دورها في التنافس والابتزاز والتسابق على مستوى الأفراد والمؤسسات والدول، ولكن خطورة «البيانات الكبرى big data» أكبر بكثيرٍ وأوسع تأثيراً. ماذا لو وُضع هذا الكمّ الهائل من البيانات في خدمة الحروب النفسية والتأثير في التوجّهات الانتخابية لأمّةٍ بكاملها مثلاً؟. هل قامت شركات أميركية وبريطانية وكندية باستعمال البيانات الكبرى وأساليب الحرب النفسية لتوجيه الناخبين في الولايات المتحدة نحو انتخاب دونالد ترامب وفي بريطانيا نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي؟. من يمتلك البيانات الكبرى والقدرات التقنية العالية اللازمة سيتمكن من تحليل تلك البيانات واستخلاص المؤشرات منها، وتصميم حملاتٍ نفسية هدفها صياغة اختيارات الجمهور في اتجاهاتٍ بعينها، ونشرها في الفضاء المعلوماتي. وتكون النتيجة تحقيق أغراض سياسية أو تجارية أو غيرها لمن يملكون البيانات الكبرى والتقنيات العالية والمال. استعمال البيانات الكبرى ضمن حملاتٍ نفسيةٍ الهدف منها التأثير في اختيارات المواطنين والانتخابات والاستفتاءات العامة سيكون من شأنه، من دون شك، تقويضُ صدقية النظم الديمقراطية.

ذلك ما يشغلهم، وينبغي أن يشغلنا نحن أيضاً. تلك الأدوات متوفرة بأيدي دولٍ ومؤسساتٍ لها مصالحها في الرصد والتأثير والتضليل والإيحاء، وتقويض البناء المجتمعي ومنظومات القيَم وهياكل الدول، حيث توجد دول. ونحن الضعفاء في كافة جوانب دفاعاتنا المفترضة بما فيها العلوم والتقنيات والصناعة واستقلال القرار.

يخضع الناس في رواية جورج أورويل 1984 لطغيان الحزب ومراقبة «الأخ الكبير»؛ يعيشون في عالم تٌقلب فيه الحقيقة وتفقد الكلمات معانيها. للحقيقة فيه وزارة وللفكر شرطة. الإنسان مستهدفٌ في معتقده وفيما يسمع ويرى. هو مضطهدٌ مقهور؛ دميةٌ مسيَّرة من أجهزة «الأخ الكبير». وقد عرفت مجتمعاتنا نُسخاً من 1984.

«الأخ الكبير» المطلّ على عالمنا الآن لا وجهَ له ولا عنوان ولا رتبةَ في جيش أو زعامةَ حزب. بعيد؟. هو هنا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات