حان وقت أن يقرر الشعب وتعود ليبيا

طاهر السني* |
طاهر السني*

في قراءة سريعة لخارطة الطريق المقدَّمة من قبل رئيس المجلس الرئاسي، السيد فائز السراج، ورؤيته للحلول الممكنة للخروج من الأزمة الراهنة، من المهم التأكيد على أنها وجهة نظره الشخصية وليست بصفته، جاءت كمقترح حل لما يحدث من تطورات سياسية سواء داخلية أو خارجية، وفي ظل الانسداد السياسي الحالي وتفاقم معاناة المواطن، وهي اجتهاد وأفكار للنقاش والتفنيد ولم تقدَّم بالضرورة كحزمة واحدة ملزمة، ولكن تضاف إلى جملة المبادرات المقترحة هنا وهناك، ومن الواضح أنها بدأت تفتح شهية الكثيرين للنقاش وفك طلاسم الجمود السياسي، وهذا في حد ذاته إيجابي، وبغض النظر عن محتواها، علينا النظر بتجرد وموضوعية لواقع الحال اليوم.

 أزمة البحث عن الشرعية لن يحسمها إلا الشعب، ولمن يسأل هل ستحترَم نتائج الانتخابات وستكون نزيهة أقول.

ليس بجديد عندما أقول إن الانقسام الحاد في مؤسسات الدولة وتراكم سنوات الصراع، هو السبب الحقيقي للعجز في توظيف الموارد لتقديم الخدمات للمواطن، وانهيار الدينار وتفاقم أزمة السيولة والطاقة وغيرها، ناهيك عن تمزق النسيج المجتمعي نتيجة لانتشار السلاح وصراع أبناء الوطن الواحد، وصولاً لتوغل الإرهاب وانتهاك واضح للسيادة، مع تلقف الدول الصغيرة قبل الكبيرة لليبيا يميناً ويساراً، واللعب بمصير أبنائها. ومع الاحترام والتقدير الكامل لكل الآراء والتحليلات، إلا أنه من الغريب محاولة بعض النخب النقد لغرض النقد دون عرض حلول، وإن فعلوا، عرضوا حلولاً غير عملية والتي أثبتت فشلها سابقاً، وتناسوا طبيعة الخلاف وتاريخه وواقع الحال الآن، فمن منا لا يعرف ما أوصلنا إليه اللغط في تفسير حكم المحكمة العليا بخصوص مخرجات لجنة فبراير؟ أو التشكيك الحالي في دستورية الاتفاق السياسي؟ من لا يعرف انقسام مجلس النواب على نفسه، وأنه اُختطف ومنع من عقد جلسات صحيحة للتعبير عن رأيه؟ من لا يعرف الجدل الذي يراود صحيح إنشاء مجلس الدولة؟ أو محاولات أمراء الحرب وتجارها دفع البلاد إلى الاقتتال والانقلاب على المسار الديمقراطي؟ ومن لا يعرف أن الاتفاق السياسي المنشأ بعد سنة من الحوار لا يمكن أن يعمل بكفاءة دون أضلاعه الثلاثة، الرئاسي والبرلمان والدولة؟ والتحديات الجمة التي واجهت الرئاسي وصعوبة توافق أعضائه، ممثلي أطراف الصراع، والأزمات التي تواجه الحكومة لتقديم الخدمات في ظل عجز الموارد والانقسام المؤسساتي؟ من لا يعرف هذا كله، فما الحل؟

وبالإضافة إلى كل ما سبق، دخلنا في دوامة جديدة لتحديد لجان الحوار لتعديل الاتفاق السياسي، بين معترف بمجلس الدولة ورافض له، وبين من يقترح العودة للجلوس مع المؤتمر الوطني وغير ذلك! ومن المفارقات أنه بعد صراع مرير وسفكٍ للدماء وتخوين أصحاب مشروع الوفاق، أصبح أعداء الأمس أحباب اليوم، والتقوا فقط لضرب الاتفاق، حتى فقد المواطن ثقته في كل سياسي أو نخبوي، وطموحه الآن لا يتعدى وللأسف، قوت يومه وأمنه وأمانه، ولا بأس من عودة ديكتاتور أو سلطان!

لمن يشكك في نجاح العملية الانتخابية بسبب الوضع الأمني نذكره بما كان به الوضع في 2014 وأن الحال لم يكن مثالياً حينها.

أما من يتحدثون عن قانونية هذا أو ذاك، أقول، لو نظرنا لوضع جميع مؤسسات الدولة القائمة حالياً أو التي تحاول إحياء نفسها من جديد، سنجد بكل سهولة ثغرة للطعن القانوني أو الدستوري فيها، فمن الصعب فصل المعضلة القانونية عن الصراع السياسي، والعكس صحيح، وهذا واضح في استعمال البعض المنظومة القضائية لخلق غطاء قانوني للتأثير على المشهد السياسي، أو استغلال النفوذ السياسي لتنفيذ مآربه بقالب قانوني، أليس هذا هو واقع الحال؟!

إن القدرة على تنفيذ مبادرة في زمن الصراع، يتطلب إما سيطرة أحدهم على أطراف هذا الصراع لفرضها، وهذا شرط لا يتوفر عند أي طرف الآن، أو يأتي من ضمن حوار سياسي ومجتمعي، وهذا ما جاء في خارطة الطريق المقترحة، حيث أوضحت آلية الوصول للانتخابات والمشاركين فيها، وضمانات تحقيق ذلك، كوقف للاقتتال وتوفير الخدمات في كامل البلاد لتهيئة الأجواء، حيث يحتاج الأول قبل كل شيء التزاماً أدبياً وأخلاقياً لتنفيذه، ويحتاج الثاني تعاون المؤسسات شرقاً وغرباً وجنوباً لتوفيرها، والكف عن التعنت السياسي على حساب خدمة المواطن، أي تحتاج إرادة سياسية حقيقية ونية صادقة للحل، كما أوضحت الخارطة أن الجلوس لنقاش الاستحقاقات المقترحة أو غيرها، هي توافقية، وليست حكراً على مجلسي النواب والدولة فقط، بل ومنظمات المجتمع المدني وكافة شرائح المجتمع، والتخوف من عدم قدرة المجلسين الجلوس معاً صحيح، وهو نفس التخوف من عدم قدرة مجلس النواب على الالتئام أصلاً لاعتماد قانون الانتخابات وإجراء التعديل الدستوري الجديد!

ولمن يشكك في نجاح العملية الانتخابية بسبب الوضع الأمني، نذكره بما كان به الوضع في 2014، وأن الحال لم يكن مثالياً حينها، لذا على أعضاء النواب مسؤولية تاريخية الآن لإحياء هذا الكيان التشريعي من جديد والوفاء باستحقاقاتهم، وعلى النخب السياسية والحقوقية والاجتماعية سواء مؤيدي أو منتقدي هذه الخارطة، تحمل مسؤولياتهم وتقديم لليبيين الحلول وآليات تنفيذها في ظل الواقع، لا الأوهام، وألا تعيد طرح أخطاء السابق التي نتج عنها انقسام اليوم.

إن القدرة على تنفيذ مبادرة في زمن الصراع، يتطلب إما سيطرة أحدهم على أطراف هذا الصراع أو يأتي من ضمن حوار سياسي ومجتمعي.

إن فكرة إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية من خلال مسار سياسي في أقرب وقت، في رأيي الحل الوحيد لدمج المؤسسات، وخلق فرصة لإرجاع الدولة لأقرب حالة ممكنة قبل الانقسام، وإنهاء كارثة خلط السلطات التنفيذية بالتشريعية منذ عهد المجلس الانتقالي، وتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، والأهم من ذلك، إنهاء الإقصاء المجحف في حق الليبيين في الداخل والخارج للتعبير عن آرائهم، وإشراكهم في تحديد مصير الوطن. وأما عن هيئة صياغة الدستور، فسيكون مهمة البرلمان المنتخب قرار دعم عملها وخلق الأرضية والأجواء المناسبة لها، أو ربما «تعيين وليس انتخاب» لجنة جديدة فنية مثلاً. المهم، عدم التسرع ونخرج بدستور يغلبه التوافق لا الخلاف.

إن أزمة البحث عن الشرعية لن يحسمها إلا الشعب، ولمن يسأل هل ستحترَم نتائج الانتخابات وستكون نزيهة؟ أقول: إن مرارة ما مررنا به خلال هذه السنوات وإنهاك الجميع، ربما كفيلة بذلك، ولكن الاعتراض على مبدأ الانتخابات وإعطاء حجج واهية، سيكشف هذه الأيام بما لاشك فيه حقيقة من يخشى على كرسيه، ومن يعرف أن ثقة الشعب فيه فقدت، ومن تحايل على الاتفاق السياسي أو دعمه فقط لمنصب هو يبتغيه، ورغم صعوبة إقناع المواطن بهذا الاستحقاق بعد كل ما مر به، فإن الشعب الليبي واعٍ، فلا تستهينوا به، حان وقت أن يقرر الشعب، وتعود ليبيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المستشار السياسي لرئيس المجلس الرئاسي

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات