الحُدود والتـخوم

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

المعطيات الليبية الموجودة منذ تغيير السلطة الدكتاتورية بثورة شعبية عام 2011 إلى اليوم دفعت مسألة الحدود الليبية كقضية سيادة عامة إلى أن تكون انشغالاً ثقافياً لمن يُمكن وصفهم بالنخبة الوطنية، وهم القلِّة الذين أبعدتهم إلى حدٍّ ما عوامل شخصية، وظرفية عن الانتماءات المتحيّزة، كالموّجهات المجتمعية "القبائليات والجهويات، والإثنيات" أو الموّجهات الفكرانية "المعتقديات المُسيّسة، والتطرّفات المؤدلجة". في الموّجهات الأولى يتقلّص، وينسحب، أو يتمدّد مفهوم الحدود الوطنية إلى بُعد مجتمعي أوسلالي انتربولوجي حسب متغيّرات المصالح التي تطفّف الانتماءات بل الهوّيات. وفي الموّجهات الثانية يتمدّد فقط مفهوم الحدود ويعبر حواجز الهوّيات المضيّقة، والمصالح المادية، والوشائج المجتمعية إلى صياغات هوية شاملة معتقدية، متعددة العناصر والتشعبات تتغذى أغليها على المخيَالات والسلفيات المعتقدية بل التوّهمات الحُلمية والرغبويات التي تتوسل في الوصول إلى مراميها غالبا بحِديّات الإكراه والعنف.

في ليبيا التي تفشل فيها اليوم، وفي الغالب الدولة كمؤسسة سلطة متوزّعة في الحدّ الأدنى المجتمعي، بل تغيب لتمّحى، صار الاهتمام بالحدود كعنصر من عناصر الإقليم في محدد السيادة، مع تطوّر الانقسام المؤسسي في الشرعية منذ الانتخابات البرلمانية 2014 شاغلاً من اختصاص السلطة الحاكمة في طرابلس وتستدعيه اليوم مشاكل الهجرة الأفريقية غير المشروعة، التي عبر شواطئ الغرب الليبي تتهدّد البلدان الأوروبية.

صعود سياسي لرئيس فرنسي شاب من خارج الأحزاب التقليدية مثّل رؤية ثورية لسياسة فرنسية واعدة في أفريقيا

التغيير الذي أحدتثه الانتخابات الفرنسية الفارطة، بصعود سياسي لرئيس فرنسي شاب من خارج الأحزاب التقليدية مثّل رؤية ثورية لسياسة فرنسية واعدة في أفريقيا سيكون مدارها الحدود، وهو ماعبّر عنه البيان المنشور ببوّابة الوسط عن اتفاق قادة مجموعة دول الساحل في القمة التي عقدت في العاصمة المالية باماكو 3 يوليو 2017، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقادة دول الساحل "مالي، بوركينيافاسو،موريتانيا، النيجر، والتشاد" بمنح برنامج تمويلي بقيمة 50 مليون يورو للبدء الفعلي في نشاطات للقوة العسكرية المشتركة، وإدراج الحدود مع ليبيا في مجال تسييرها وهو مايلبي المطالب التشادية التي ستعطف بقضية حدودها مع ليبيا إلى تخوم جديدة.

في مقالتي "حدود وحيطان" بموقع بوّابة الوسط 2017.04.02 اقتطفت من كتاب المُفكر اليساري الشهير ريجيس دوبريه "مديح الحدود" مكتوباً يمكننا تقطيعه إلى موشورات معرفية، ربما تضئ المناطق المعتمة في انشطارات ليبيا ملعب أشباح الفوضى، ومن الثلاثي الشبحي الذي يرد في مقالات الوطنيات الليبية: "التقسيم والحدود والسيادة" أكتب في شبح الحدود الليبية التشادية الذي التبسني بالحرب في 16 ديسمبرعام 1980 وأنا أتبوأ وظيفتي التي رمت بي في قلب الحدث مديراً في الإعلام الليبي بُعيد تخرّجي عام 1979من الجامعة.

مفهوم الحدود في رأي دوبريه يتبدّل في شكله ومضمونه عبر الزمن، ورغم تبدّل الحدود كمفهوم، فإنها تصمد بتغّيراتها وتبقى بتحولاتها، فهي لا تمّحي أو تزول، بل تظل مجالاً ملائماً للتفكير فيها، كتنظيم رمزي، أو بالأحرى شبحي لفوضوية متقصدة. أحد الوسائل لذلك اصطناع الخرائط، والمقصود بها في الحالة الليبية خرائط ما قبل الحقبة الاستعمارية، أي خلال الحكم العثماني وما قبله، عندما كانت "ليبيا" تابعة لإمبراطوريات خارجية، وقبل سيادة مفهوم الدولة القومية في المنطقة، هذه الخرائط توجد بها تغييرات وتختلف عن الخطوط الحدودية المعروفة اليوم والموروثة عن الاستعمار، والمعترف بها من الأمم المتحدة ودول العالم. ولكن هذه الحدود، التي خطّتها اتفاقيات وتجاوزها الواقع رغم الاعتراف الدولي بها، هي مفتوحة لأن تطفح مشاكلها من جديد، ليس فقط لأنها تنظيم رمزي أوشبحي لفوضوية متقصدة، بل لأن ظروفاً مستجدّة حالت دون إتمامها كالحرب، وأبرز مثال عليها اتفاقية موسوليني-لافال 1935 والتي جعلت شريط "أوزو" جنوب ليبيا ضمن المستعمرة الإيطالية، والاتفاقية صدقت عليها الجمعية الوطنية الفرنسية، بينما امتنع مجلس النواب الايطالى عن التصديق عليها لكونها تحدّ فيما وردعنEncyclopedea of African Boundaries: Ian Brownlie من المطالب الإيطالية التي كانت تفوق كثيرا الحدود المشار إليها في اتفاقية 1935. الصراع الذي نشب بين فرنسا وإيطاليا حول تبعية "نيس" عشية الحرب العالمية الثانية دفع الدولتين إلى التلكؤ عن إيداع وثائق الاتفاقية لدى الأمم المتحدة.

مسألة الحدود أفرزت مشكلة تخومها عبر الحدود الليبيةـالتشادية، تلك التي أبرزها شريط "أوزو" الذي أظهرته إلى أواخر الأربعينات بعض الخرائط التي ربما أُعدت استنادا على المعاهدة المذكورة، ضمن الأراضي الليبية، هذا التخطيط الاستعماري المتعسف بطبيعته نظر للحدود ولم ينظر لتخومها المتمثلة في تبعيّة القبائل القاطنة على تخوم جانبي الحدود. المشاكل التي طفّفت من مهدِّداتها في النموذج الليبيـ التشادي، الروابط المعتقدية، والعلاقات المجتمعية، ومصالح التجارة، والجهاديات المشتركة المضادة للاستعمار، التي نسجتها الحركة الإصلاحية السنوسية، والتي مثلّث ميراثاً للدولة الليبية المستقلّة عام 1951 استثمرته حكومة عبد الحميد البكوش عام 1968 بزيارة رئيس تشاد "تمبلباي" إلى ليبيا للتلويح برسائل إيجابية إلى فرنسا الديغولية عبر مستعمرتها السابقة.

هذه الأرضية السياسية المتوازنة هي التي ستمهّد للمعاهدة التي تمت بين ليبيا وتشاد

هذه الأرضية السياسية المتوازنة هي التي ستمهّد للمعاهدة التي تمت بين ليبيا وتشاد ممثلةً في رئيسها "تمبلباي"، في ديسمبر من عام 1972م حيث أقر علنا، أن منطقة الحدود، تعتبر"منطقة تضامن وتعاون"، وفي رسالة مذيلة بتوقيعه عرضتها ليبيا، أقرّ فيها بأحقية ليبيا بالشريط الحدودي أوزو الذي يصير لاحقاً مجال تنازع محترب. وعلى معطيات الرسالة، ومعاهدة ديسمبر 1972م والتقارب الذي نتج عنها دخلت القوات الليبية، إلى شريط اوزو تخوم المشاكل والنزاعات التي عاصرها وأكتوى بها جيلنا، والتي لم تخرج ليبيا من عقابيلها حتى اليوم.

الاهتمام بالتخوم أكثر من الحدود بالمجتمعيات أكثر من السياسيات، يستدعي الانتباه إلى مادعاه دوبريه بالخلط المشوّش للتوّهم الذي عادة مايمرّ في السياسة، عبر لعبة التعارضات، المُفضّلة أن تكون حجّة بيّد السياسيين إلى إسقاط رسم حدود الدول الوطنية الراهنة على التعقيدات التي تجلبها اليوم تلك التخوم الغابرة“.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات