كروزو!.. الوجه والكفّ المقلوبة

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

تفهُّم الشعر وسبرغوره يتأتى باقتراح خطاطة مغايرة لمسار قدر الشاعر فيما يمكن تسميته باستعارة أفلاطونية بجدل نازل هو سقوط من (الجزيرة) كـ"حقيقة، أصل، نموذج، مثال" عبر (المدينة) "أيقونة، صورة، محاكاة، نسخة" إلى (السجن) "سيمولاكر:(1) نسخة عن نسخة، أيقونة متدهورة وتشابه ممحوّ". بالعكس من هذا يكون الجدل النازل مغاير الخُطاطة وهو: الصاعد من "السجن كسيمولاكر" بتوليد (المدينة كأيقونة) النسخة البديل التي تنطرح بشكل موازٍ، يضعها الشعر في مستوى الأصل، باستشراف (الجزيرة) كـ (حقيقة، أصل، نموذج، مثال). الجزيرة ـ الحقيقة، والمدينة النسخة ـ الأيقونة يجعل الشعر قدومهما ،تداعيهما متآنياً، فلا يفصل أحدهما عن الأخرى، فيقرن الشبيه بشبيهه، والموضوع بـ "نظيره" والأصل بنسخته.

اختار سان جون بيرس لقصيدة من قصائده الطويلة اسم آناباز: وهو مشتق من الكلمة اليونانية "أنابازيس" وتعني الغزو الداخلي، القارّي بعيدا في امتداد البحر بما يذكّر بربنسون كروزو الذي يوّجه له الشاعر خطابه "كروزو! أنزل الستائر، ولا تشعل الضوء(2)" الخطاب إلى "كروزو! في قصيدة سان جون بيرس، يعيدنا من جديد للتأمل في عالم "الروبنسونات"(3) الذي فتّحته رواية دانييل ديفو (1660 – 1731) حسب الملخص (4)الذي يقدّمه عنها أستاذ الشعر بجامعة غلاسغو الاسكتلندية، مايكل شميت: "تحمل الرواية عنوانًا طويلا نصه: ـ حياة روبنسون كروزو- من مدينة يورك، البحّار ومغامراته الغريبة المدهشة، وهو الذي عاش ثمانية وعشرين عاما ـ وحيداـ تماما على جزيرة غير مأهولة على شاطئ أميركا قرب مصب نهر أورنوك العظيم، وقد رمى به تحطم سفينته إلى الشاطئ، وفنى كل من معه إلا هو، مع بيان كيف أنه، في النهاية، وعلى نحو لا يقل غرابة، أنقذه قراصنة. نحن نراه يبني لنفسه مأوى، ويجمع الطعام، ويربي أغناما، وـ يصنع قارباـ وأواني للطهو، متغلبا على العقبات المادية والمعنوية التي تعترضه“.

في تتابع السياق السردي لمحتوى الرواية يجد الشعرمؤطأ لقدمه ومنطلقاً في موضوعة العُزلة

في تتابع السياق السردي لمحتوى الرواية يجد الشعرمؤطأ لقدمه ومنطلقاً في موضوعة العُزلة فـ "مع مرور الوقت يفقد البطل ثقته بنفسه، ويكون السؤال الذي يراوده على الدوام: هل يأتي أحد إلى هنا وينقذني، هل أعود إلى حياة الناس مرة أخرى؟. يصبح البطل في معزل عن المجتمع البشري بمجرد أن تطأ قدماه أرض الجزيرة. يجد نفسه في مجتمع من النباتات والتضاريس الجامدة، وربما في أحسن الأحوال يجد بجواره قطيعاً من الحيوانات أو سرباً من الطيور.

من سياق السرد نقتنص جملة "مجتمع التضاريس الجامدة" لنتساءل : أليس هو سيمولاكر جزيرة كروزو أو بالأحرى "سجنه"؟. الذي اكتشف سان جون بيرس صورته على امتداد زرقة اليّم، حيث يسكن القصائدَ البحر ويحيط بها من كل جانب، وتضطرب فيها عناصر الطبيعة وتضطرم، ويتراوح فيها الإنسان بين التسامي الملحمي الخالد والسقوط الدرامي المفجع. وهو الشعر الذي نقرأه في مُتضّمنات النصّ-القصيد "الجزيرة" في قصيدة المدينة لسان جون بيرس والمُبتدأة بـخطاب إلى "كروزو!: في هذا المساء، بالقرب من جزيرتك،/ ستأتي السّماء لتلقي مدائحها للبحر،/ والصمت سيضاعف من تعجبات النجوم المتوحّدة/ أنزل الستائر، ولا تشعل الضوء".

في ملحمياته غالباً مابدا سان جون بيرس كمعْلم متفرّد منعزل عن التقاليد الشعرية الحديثة، مما دعا أغلب قرائه إلى الاعتقاد بانعدام السبب بينه وبين الإبداع الشعري في الغرب، معتبرين إياه خلقا محضا وظاهرة بلا أصول ولا وشائج. وأن شعره الذي يلفه ضباب من الغموض، تزداد كثافته كلما اختلفت حوله التفسيرات والتأويلات، فنقرأ: "فوق الدروب/ المنسوجة من سماء وبحر/ الكل مالح، الكل لزج وثقيل كدم حي،/ الطائر يتهدهد في ريشه تحت حلم زيتي/ الفاكهة المنخورة تسقط في ماء الخلجان/ نابشة ضجتها، ومن قلبها تندفع الحشرات/ الجزيرة تغفو في خليج المياه" هنا تبدو الحالة الشعرية برزخية، قنطرة موصلة إلى الجزيرة المستشرفة، تمتد أسبابها في قصيدة "الحروف" التي كتبها الشاعر محمد الفقيه صالح في تاريخ برزخي دّال(5) هو قدر البرزخية بين رحلة جزر المالديف وبين سفرة السجن في قلب الظلمة(6) في : "ملكوت الليل ../ تنعتق الطيور المُريبة من ..بيوض النهار/ وينطلق باتجاه الغرابة/ وصوب الوجيب العاري في لهفة الكائنات/ وبين فجوات الأشياء/ ينبت شوك من الأسرار.. كالفحم النيئ ../ وفي خيمة الليل ../ أنطوي على نفسي زهرة خاوية تمتد وتنمو../ وتمتد معها مسارب الأرق ../ ولاشيء يعلو أو يرّف سوى نخلة الأسئلة../ من يخض الحروف، وهي تدبّ كالنمل المترهل فوق قشرة العالم؟/ ومن يذيب الحروف لكي تتسرّب إلى الأعماق/ حيث الأرض ساخنة بغضب مكتوم/ وحيث الطقوس التي في جحيمها ترتعد الأطراف مقرورة؟/ ومن يشك الحروف وردة قاسية في رماد المواجع؟/.

من مقالة ميشيل فوكو(7) التي اتخدناها أساساً لتحديد المعاني الأربعة التي يُستعمَل فيها مفهوم السيمولاكر يبرز في واحدها: السيمولاكر كفعل بمعنى الكذب الذي يجعلنا نستعيض عن علامة بعلامة أخرى، وهو نفس المغزى الذي أشار إليه جان كلود مارتان بالخداع الذي نقترفه إزاء عالمنا بكيفيتين، تخصيص تعابيرنا الإيمائية للإبلاغ عن حالة شعورية معينة أو إبدالها بإيمائية تعبيرية مختلفة. هذه الفصامية دفعت- ايخمانـ- إلى أن يطلق على الوجه صفة "الكذاب المفضّل " استناداً على الدلالة السيميولوجية البليغة التي تضمرها استعارة "ماء الوجه" فسكب ماء الوجه يعني ضياعه، وخسارة أهم جزء من ذواتنا(8).

في مقطع بعنوان زوبعة من قصيدة حالات (9) يكتب محمد الفقيه صالح "حدّقت صبح هذا اليوم في المرآة/ كانت المرآة زوبعة/ وكان وجهي ضاحكاً،/ أوباكياً/ أو ضاحكاً وباكياً معاً/. وهذا الوجّه "الكذّاب- المُفضّل" يصير خشباً في المرايا "ملّ قلبي الخشب/ الكلام-الخشب، والأغاني، الثواني، المرايا-الخشب/ صار يلزم عود ثقاب/ وشيء من البرق في لغة يقشعرّ المدى/ من حشاشتها إذ تهبْ/ لتنزع الروح من قاعها، وتطلقها في مدار الغضب/ ويلزمنا أن نزيح الستائر ضاق المكان بنا/ وتعنكب همّ الزوايا الرطب/.

يقوم التمثيل السردي في رواية "روبنسون كروزو" بمحو نسق أصليّ بُني على مفهوم الاندماج بالطبيعة، مُحلاّ بدله نسقًا آخر قام على مبدأ السيطرة على الطبيعة، وهو ما أفضى إلى علاقة مقلوبة، بحيث صار الأصليّ تابعًا، والوافد الطارئ متبوعًا، فمديونيّة المعنى التي فرضتها القوّة جعلت "الأصليّ" (حقيقة، أصلا، نموذجا، مثالا) مدينًا، لدائنٍ هو: الطارئ أو العابر (صورة، محاكاة، نسخة، سيمولاكر).(10)

في صيغة مدهشة حدد الشاعر بودلير الفن بأنه سحر إيمائي يحتوي الشيء والمضمون في آن واحد

في صيغة مدهشة حدد الشاعر بودلير الفن، بأنه سحر إيمائي يحتوي الشيء والمضمون في آن واحد، العالم الخارجي للفنان والفنان نفسه. هذا التحديد يمكننا تمديده ليكون مدخلنا إلى مخاطبة سان جون بيرس الأخيرة لـ: "كروزو! أنت هنا ووجهك قربان لإشارات الليل،/ كـكفّ مقلوبة“. ويمكننا أيضاً- كما يلاحظ دانييل رويس(11) تطبيق هذه الصيغة ليس فقط على قصائد أو مقطّعات بودلير النثرية الصغيرة في "سأم باريس"، أو "أزهار الشر" التي ترصد التشتت، أو التوسع للـ"أنا" الذي تساعد عليه أجواء المدينة الكوزموبولتية حيث يحس الشاعر بشخصيته تتضاعف ليس فقط في المشهد المديني، حيث قلب الحشد، بل أيضاً في ثمالة "المشاركة الكونية" حيث يدّل التشبه على قوة توليد مفعول. لا بالمعنى العلي، مادام من شأن العلّة أن تظل فرضية غير محددة إن لم تتدخل دلالات أخرى. بـل بمعنى "الدليل والعلامة"، ذلك الدليل المتولد عن عملية الدلالة، وأيضـا بمعنى "اللباس" أو بالأولى القنـاع، الذي يعبر عن حركة تقنّع واختفاء حيث يوجـد خلف كل قناع قناع آخر حيث يصير وجه كروزو قرباناً، لإشارات الليل، وقربانه كفٌ مقلوبة.

ـ1 ـ في مفهوم السيمولاكر يُرجع إلى: نورالدين خليفة النمر/ مدائن صالح: غابة الإسمنت/ في آراء ، بموقع بوابة الوسط 19 يونيو 2017/

ـ2 ـ سان جون بيرس/ المدينة / ترجمة أحمد عبد المعطي حجازى/ مدن الآخرين، منشورات الخازندار. جدة.1989

ـ3 ـ مصطلح"الروبنسونات Robinsonade" ظهر لأول مرة في كتابات الأديب والمفكر الألماني "يوهان جوتفريد شنابل" ويعني الأعمال الأدبية التي جاءت كتقليد لرواية: روبنسون كروزو/ دانيل ديفو/ ترجمة مختار السويفي/ الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط. 2004.. وأبرزها الرواية المضاهية: ميشال تورنيه/ جمعة أو حياة الفطرة/ ترجمة الطيّب بن رجب/ دار الجنوب للنشر ـ تونس،ط.2003 انظر بخصوص مقارنتنا للروايتين/ نورالدين خليفة النمر /مارتن كوبلر.. والمَرَاغة الروبنسونية!/ في آراء ، بموقع بوابة الوسط،20 يونيو 2016.

ـ4 ـ انظر الملحص في مقالة/ ماهر شفيق فريد/ الرواية في العالم.. من روبنسون كروزو حتى نهاية القرن العشرين /مايكل شميت /مطبعة جامعة هارفارد، ط 2014 /https://aawsat.com/home/article/436301

ـ5 ـ محمد الفقيه صالح/ قصيدة الحروف/ صحيفة الفجر الجديدـ آفاق ثقافية، 23 يوليو 1977.

ـ6 ـ لإلمامة بمغزى قلب الظلمة في رواية جوزف كونراد" Heart of Darkness" أنظر/ نورالدين خليفة النمر /قلب الظُلمة/ في آراء ، بموقع بوابة الوسط،2 يوليو 2016,

ـ7 ـ جـيـل دولوز/ قلب الأفلاطونية/ تـرجـمـة عبد السلام بن عبد العالي/ نُشر تحت عنوان "أفلاطون والسيمولاكر" ضميمة لكتاب : Logique du sens, minuit, coll 10/18, 1969, pp.347-361. موقع توفيق رشد للأبحاث الفلسفية.

ـ8 ـ جان كلود مارتان / الوجه: "الكذاب المفضّل "/ترجمة حسن الطالب / مجلة علامات ، العدد 21 ، 2004م.

ـ9 ـ محمد الفقيه صالح/ قصيدة حالات/ مجلة الفصول الأربعة/ رقم العدد 51، يوليو 1991.

ـ10 ـ وصف إدوارد سعيد ، ربنسون كروزو في مواضع متناثرة من كتابه "الثقافة والإمبريالية"بـ: المؤسس لعالم جديد، يقوم بحكمه واستعادته للمسيحية ولانكلترة (…) وفي كل ذلك فإن كروزو "يضع الأمور في نصابها"/ الثقافة والأمبريالية / ترجمة كمال أبوديب/ دار الآداب بيروت / ط.4 .2004 ص,13 ،154. بخصوص التمثيل السردي انظرد. عبدالله ابراهيم / السرد الاستعماري ومحو الآخر" http://www.alriyadh.com "

ـ11 ـ سوزان برنارد/ قصيدة النثر ( من بودلير إلى أيامنا)/ ترجمة زهير مجيد مغامس/ الهيئة العامة لقصور الثقافة ـ مصر، ط.2 .1999 .ص 63

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات