شركة «داعش» الإقليمية للتقنية الرقمية

علي جماعه علي |
علي جماعه علي

اجتمع ثلاثة شباب من ثلاث دول عربية في العام 1999 للنقاش حول فكرة إنشاء شركة «داعش» الإقليمية للتقنية الرقمية. وفي جلسات عصف تجاري وفكري شاق، وضع هؤلاء الشباب تصوراً لإنشاء شركة ستطرح مبادرة جديدة من نوعها تربط منطقة الشام والعراق والخليج بمنظومة إلكترونية للإدارة والتعليم والبحث العلمي والتبادل التجاري، مستفيدة من إرهاصات ثورة المعلومات والاتصالات الواعدة آنذاك.

اختار الشباب الثلاثة كلمة «داعش» اسماً لمشروعهم المدهش لتحمل الحروف الأولى من اسم الشركة «دعم الإنتاج العربي الشبابي»، وعلى الفور طفقوا يبحثون عن تمويل الفكرة، حتى ترى النور، في عالم مقدم على منافسة شرسة في اقتصاد المعلومات المتحفز لتصدر المشهد العالمي. وكان عليهم بعد ذلك التواصل بالرسائل الإلكترونية وأن يحيطوا تحركاتهم بالسرية حتى لا تتسرب فكرة مشروعهم إلى أحد المنافسين، كما اتفقوا على أن يشار إلى اسم الشركة في مراسلاتهم واتصالاتهم، تحفظاً، بكلمة «داعش» فقط.

كان سعيد مغرماً بتشي جيفارا، في حين يبدو بيل غيتس هو المثل الأعلى ليوسف، فيما لايخفي خالد إعجابه بحسن البنا.لاشك أن هذا التنوع الفكري وحماس وطموح الشباب كان سينعكس على جاذبية وقوة العلامة التجارية للمشروع الجديد.

وهناك، في أقبية استخبارات ثلاث دول عربية، ظهرت كلمة «داعش» وهي تومض بشكل متوتر على شاشات الكمبيوتر تلاحقها عيون جاحظة لثلاثة من رجال محاربة الجوسسة تم تكليفهم بمتابعة ورصد اتصالات وتحركات الشباب الثلاثة بشكل يومي مكثف.

كانت رؤية الشباب الثلاثة التي عبروا عنها في اللقاء المباشر وفي الرسائل الإلكترونية تتلخص في أن مشروعات الاقتصاد الجديد تحتاج إلى بيئة قانونية وسياسية حاضنة للإبداع، تتصف بالشفافية، تحمي حقوق المستثمرين وتشجع حرية البحث العلمي والنقد. وأن على الأنظمة الحاكمة أن تعطي لتيار الشباب فرصته للتعبير عن نفسه والانطلاق للمشارَكة في ما تتيحه التقنيات الجديدة من إمكانات التطوير المستمر.

في أقبية استخبارات ثلاث دول عربية، ظهرت كلمة «داعش» وهي تومض بشكل متوتر على شاشات الكمبيوتر تلاحقها عيون جاحظة لثلاثة من رجال محاربة الجوسسة

في حدود الساعة الثلاثة فجراً، أدار العريف (غيضان) جهاز الهاتف وهو يتثاءب. حينئذٍ انطلقت على الفور أجراس الهاتف بالرنين الصاخب في حجرات نوم باقي الفريق المكلف برصد الشباب. أعلن غيضان بصوت حاسم لا يخفي الغرور نجاحه في تفكيك شفرة المجموعة والكشف عن هويتها. إنها الحروف الأولى من جملة «دعم الانقلاب على الشرعيات». أما على الطرف الآخر من الخط الهاتفي، فقد أنهى زميله (سمعان) المكالمة بتوتر وهو يلطم حظه التعيس لتفوق أغبى أعضاء الفريق في حل شفرة «داعش». ذلك الاكتشاف الذي سيقود إلى القبض على الشباب بتهمة الشروع في قلب أنظمة الحكم بالتعاون مع الاستخبارات الأجنبية، وكذلك سينتهي بترقية (غيضان) إلى رتبة أعلى مع مكافأة مالية مجزية.

استدعى هذا الاكتشاف رفع درجة الاستعداد والطوارئ لحدودها القصوى في أجهزة الاستخبارات المعنية، وصدرت الأوامر العاجلة بالتنسيق المشترك للقبض على الشباب الثلاثة وإيداعهم سجناً واحداً لتسهيل إجراءات التحقيق معهم تفعيلاً للاتفاقات الأمنية المشتركة لوزراء الداخلية العرب.

كانت الزنزانة كئيبة وعطنة إلى درجة مقززة، حفرت على جدرانها بأظافر سجناء سابقين عبارات القنوط والألم والعذاب. انهالت قبضات المحققين الخشنة لكماً وصفعاً على الأجساد الثلاثة المنهكة تطلب اعترافاتهم. كانت عيون الجلادين منطفئة لا يحتويها نور الحياة كأرواحهم، وكانوا منهمكين بكل عنف وبكل وسائل التعذيب الممكنة في محاولة سل اعترافات التآمر والخيانة من أفواه الشباب الثلاثة ولو كلف الأمر سل أرواحهم من أجسادهم. كان المطلوب اعتراف الشباب أن «داعش» هى خلية انقلابية اختصاراً لجبهة «دعم الانقلابات على الشرعية» وليس شركة مزعومة تحت مسمى «دعم الإنتاج العربي الشبابي». بعد أشهر من التحقيقات والتعذيب لم يتمكن المحققون من العثور على أدلة مقنعة تدين الشباب، فتم الإفراج عنهم وتسفير اثنين منهم إلى بلديهما دون تقديم اعتذار.

في العام 2003 دخلت القوات الأميركية إلى بغداد وتطوع يوسف للقتال ضدها وتم إلقاء القبض عليه لاحقاً في إحدى العمليات العسكرية، فأودع سجن أبوغريب المزدحم بآلاف السجناء. في إحدى الليالي الهادئة، في زنزانة كئيبة عطنة حد التقزز، كان يوسف يتحدث بحميمية إلى مَن حوله من الشباب عن مشروعه القديم، شركة «داعش» الإقليمية للتقنية الرقمية، وكيف أوصلته إلى الزنزانة الأولى والتعذيب الأول. سأله شاب ملتحٍ: «ماذا تقصد بـ(داعش)»، تبسم يوسف بألم وأجاب: «شركة دعم الانتاج العربي الشبابي للتقنيات الرقمية».

صمت الشاب الملتحي قليلاً وابتسم بدهاء: «لا يا أخي، لا ينبغي أن تكون (داعش) كذلك، يجب أن تكون شيئاً مختلفاً، فنحن لسنا بحاجة للتقنية وقوانين الغرب ومؤسسات العلمانية الكافرة، نحن اليوم بحاجة لتأسيس دولة الإسلام بالقوة وقطع رقاب المخالفين، ألم يقل الرسول عليه السلام (إنما جيئتكم بشريعة الذبح). داعش يا أخي ستكون منذ اللحظة، على بركة الله، الحروف الأولى لاسم دولتنا الجديدة (الدولة الاسلامية للعراق والشام)».

نظر يوسف للمتحدث بوجوم واندهاش وطار به خياله خارج الزنزانة الكئيبة، إلى الجلسات الجميلة مع أصدقائه أثناء التحضير لمشروع شركة «داعش» للتقنية الرقمية. استغرق في تذكر جلسات حوارهم حول الآفاق الجديدة لاقتصاد المعرفة والاندماج الإقليمي وأحلامهم بالتغيير والإصلاح وتصورهم لمجتمعات مزدهرة بالحرية والعدالة في منطقة الشرق الأوسط، وفي الأثناء، تذكر فرحة حبيبته عندما أخبرها بمشروعه الجديد وكيف أنهما سيدفنان الفقر ويعيشان حياة كريمة في بيت جميل ودعوات أمه له بالخير.

فجأة، اخترق نباح كلب وجوم يوسف السارح في ذكرياته، فانتبه يوسف إلى الكوة الصغيرة في باب الزنزانة وقد غطاها وجه جندي أميركي من حراس السجن. تمعن يوسف في عيني الجندي الخضراوين البراقتين المخيفتين. صاح الجندي بلغة عربية ركيكة، يخالطها نباح مرافقه الكلب: «ناموا أيها الاوغاد». صرخ يوسف بهستيريا: تحيا «داعش».. تحيا «داعش» وانهار بالبكاء.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات