التجارة الوحشية..دكار 2

علي الدلالي |
علي الدلالي

الشواهد على حركة التاريخ في العالم كثيرة ومتنوعة، ويمكن من خلال الوقوف عليها قراءة الحقب التاريخية ورصدها، واكتشاف بعض الحقائق التي لم تكتب لأسباب متعددة.

وتقوم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لهذا السبب بين الفينة والأخرى، بضم بعض هذه الشواهد إلى مواقع التراث العالمي، للمحافظة عليها ومنع العبث بالتاريخ الإنساني على مر العصور وحمايته من التزوير.

عند زيارة العاصمة السنغالية دكار في غرب القارة الأفريقية، لا يمكن التفكير في زيارة أي معلم تاريخي قبل جزيرة غوري التي تبعد 20 دقيقة بالعبارة عن البر الأفريقي قبالة ساحل دكار، الذي يعتبر النقطة الأقرب من اليابسة الأفريقية على المحيط الأطلسي إلى اليابسة من الضفة الأخرى للأطلسي حيث القارة الأمريكية.

في أول زيارة إلى دكار عام 1989 في دورة تدريبية، كانت جزيرة غوري أول مقصد لي بطبيعة الحال، في الأسبوع الأول لوصولي إلى دكار التي تعني «أرض الملاذ» بلغة الولوف، أكثر اللغات المحلية انتشاراً في السنغال.

كانت غوري لمدة ثلاثة قرون أكبر معسكر اعتقال وشحن للعبيد إلى ما عُرف بـ«العالم الجديد»

كانت غوري لمدة ثلاثة قرون أكبر معسكر اعتقال وشحن للعبيد إلى ما عُرف بـ«العالم الجديد»، وهي تقف اليوم شاهداً على هذا الفصل المأساوي والمظلم في التاريخ، والجريمة الأكثر شراسة وبشاعة التي ارتكبها الإنسان ضد إنسان آخر، والإبادة الجماعية الأشرس في التاريخ الإنساني، حيث قام الرجل الأبيض الذي أتى من وراء البحار (من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر)، بمنع الرجل الأسود من حقوقه الإنسانية كافة ومعاملته معاملة الحيوانات أو أقل درجة.

وعلى الرغم من محاولات تزوير التاريخ لطمس هذه المأساة الإنسانية وتوريط بعض الزنوج في تجارة الرقيق من خلال الإشارة في بعض الكتب والمصادر الأوروبية إلى أن بعض زعماء القبائل والملوك التقليديين المحليين فتحوا الطريق لهذه التجارة مقابل الحصول على الأموال والبضائع والسلاح، إلا أن الواقع والطبيعة يفندان تلك المزاعم، إذ كان عدد الرجال والنساء هو الذي يفرض هيبة الزعيم أو الملك المحلي في المحيط الذي يعيش فيه.

ينتصب «بيت العبيد» على الواجهة البحرية الشمالية لجزيرة غوري كشاهد حي على تلك القرون الثلاثة الظلامية التي تم خلالها نقل 20 مليوناً من السود رجالاً وأطفالاً ونساءً مات ستة ملايين منهم نتيجة الأمراض والتعذيب سواء في معسكر الاعتقال على الجزيرة أو على متن السفن التي أقلتهم إلى العالم الجديد مكدسين فوق بعضهم بعضاً مثل علب السردين.

أول شيء يشد انتباه الزائر إلى «بيت العبيد» بمجرد الولوج إلى الردهة الرئيسة للمبنى المكون من طابقين، الدور الأرضي حيث الزنزانات والدور الأول حيث يقف التجار لتفحص «العبيد» والمزايدة على السعر، تلك الفتحة بطول حوالي المترين في الجدار الخلفي للمبنى والتي تطل مباشرة على الشاطئ الصخري للجزيرة. إنه «باب اللاعودة» لحوالي 20 مليون إنسان تم شحنهم على بواخر الاستعباد والرق ألقي منهم ستة ملايين إلى أسماك القرش في الأطلسي بعد أن فتكت بهم الأمراض، في أكبر عملية نهب تاريخي للموارد البشرية للقارة السمراء والذين شكلوا البنية التحتية التي قامت عليها مدن أمريكية عدة منها نيويورك وبوسطن وواشنطن، وعملوا في شق الطرق العملاقة وبناء السكك الحديدية وحفر الأنفاق وردم المستنقعات.

على يمين الردهة يقف ذلك الرجل السبعيني (وقتذاك)، أبوبكر يوسف ندياي (1922 - 2009) القيم على «بيت العبيد» أو كما يسميه أصدقاؤه ذاكرة تجارة الرقيق والاستعباد، أمام مكتبه الصغير منتظراً توافد الزوار بعد وصول العبارة ليبدأ في سرد القصة المأساوية لاصطياد «العبيد» كالحيوانات من قراهم وتجميعهم في هذا البيت قبل بيعهم إلى تجار الرقيق وترحيلهم إلى العالم الجديد من «باب اللاعودة» في جزيرة غوري، وهي واحدة من أكبر مراكز تجميع وشحن العبيد على الساحل الأطلسي الأفريقي حيث يوجد مركز الاعتقال الثاني في أويدا (بنين) والثالث في لواندا (أنغولا) إلى جانب مراكز أخرى على المحيط الهندي في الصومال وزنجيبار (تنزانيا).

وعلى امتداد عقود قام أبوبكر ندياي بسرد روايته لتعريف العالم بتاريخ تجارة الرقيق و«بيت العبيد» الذي يحتوي على زنازين للبالغين من الذكور مساحة الواحدة 2.6 متر على 2.6 متر يُحشر فيها ما بين 15 إلى 20 شخصاً مقيدين في الأصفاد وظهورهم إلى الحائط لا يغادرونها إلا مرة واحدة في اليوم لقضاء الحاجة، وزنازين للسيدات، وأخرى للأطفال وثالثة خاصة بالتسمين، حيث كان تجار الرقيق يقومون بتسمين «العبيد» الذين أرهقتهم الرحلة بعد اصطيادهم في مناطق مختلفة مما يُعرف اليوم بغرب أفريقيا وخاصة في نيجيريا والكاميرون وغينيا، ليسهل بيعهم.

مأساوية وصادمة تلك القصص المرتبطة بتجارة الرقيق على المستوى الإنساني التي يرويها أبوبكر ندياي وأبكت مئات الآلاف، حيث كان يتم بيع الأب على سبيل المثال إلى تاجر من لويزيانا في أمريكا والأم قد يشتريها شخص من البرازيل والطفل قد يذهب إلى هاييتي.

مأساوية وصادمة تلك القصص المرتبطة بتجارة الرقيق على المستوى الإنساني

ويُرحل «العبيد» على متن السفن مثل السردين بأرقام على ظهورهم حيث يفقد الإنسان الأفريقي منذ دخوله إلى بيت العبيد هويته الأفريقية وتُمحى كل الآثار الدالة على جذوره.

كان تجار الرقيق يستهدفون بشكل أساسي العبيد من عرقية اليوروبا التي تستوطن نيجيريا وبنين والتوغو وغانا، وذلك لقوة بنيتهم الجسدية وخلوهم من الأمراض. وتقول الدراسات الحديثة التي أكدتها فحوص الحمض النووي إن معظم الرياضيين السود الذين حققوا أرقاماً قياسية وفازوا بالألقاب العالمية في مختلف الرياضات ينحدرون من أصول قبائل اليوروبا الذين تم اصطيادهم وترحيلهم إلى أمريكا.

وتكشف تجارة الرقيق التي كانت القارة الأفريقية مسرحها على مدى ثلاثة قرون عن وحشية هذه التجارة وعمق هذه الجريمة البشعة، حيث قام تجار الرقيق الذين تقف وراءهم بريطانيا والبرتغال وهولندا ودول أخرى، بأكبر عملية سطو في التاريخ على الموارد البشرية ناهيك عن نهب الموارد الطبيعية لهذه القارة البكر وتفريغها من الثروات التي تقوم عليها التنمية والتقدم ما يجعل الفتات الذي تقترحه هذه الدول لدعم القارة الأفريقية اليوم فصلاً آخر مهيناً من فصول سياسة نهب هذه القارة تحت مسميات أخرى.

لاشك أن نقل ملايين الأفارقة من قراهم الآمنة على سفن الرق والاستعباد إلى أمريكا خلال تلك الحقبة الاسترقاقية والتي أعقبتها حقبة استعمارية لا تقل شراسة عنها وحقبة دولة ما بعد الاستعمار التي فرضت فيها الدول الاستعمارية نخبا سياسية وعسكريين فاشيين ودكتاتوريين صنعتهم لخدمة مصالحها في القارة حتى اليوم، قد ساهم إلى حد كبير في تفريغ القارة الأفريقية البكر من الثروة لبناء التنمية والتقدم من خلال نهب تلك السواعد التي لا تزال عظامها مدفونة حتى اليوم في أساسات المباني الشاهقة في المدن الأمريكية وفي الأنفاق والجسور والمستنقعات التي سهلت حركة التنمية والتقدم في تلك البلاد من العالم الجديد.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي لم يتردد في وصف استعمار بلاده للجزائر بأنه جريمة ضد الإنسانية

يتوافد اليوم الكثير من قادة «العالم الحر» وبخاصة من بريطانيا وإسبانيا والبرتغال أكثر الدول المتورطة في مثلث تجارة العبيد الوحشية (أفريقيا - أمريكا - أوروبا)، ومن أمريكا أكثر الدول المستفيدة من هذه التجارة، على جزيرة غوري، يلتقطون الصور التذكارية عند «باب اللاعودة» ، لكنهم جميعا يواصلون رفض الإقرار بالمسؤولية عن استرقاق ملايين الأفارقة ومنعهم من حقوقهم الإنسانية والحكم على القارة الأفريقية بالتخلف من خلال نهب مواردها البشرية والطبيعية، بل يرفضون مجرد الاعتذار لأفريقيا عن هذه الجريمة.

وتقف بريطانيا بمؤسساتها الديمقراطية في مقدمة الذين يرفضون الإقرار بأن اصطياد ملايين الأفارقة من قراهم الآمنة ونقلهم قسراً تحت حراب بنادق العنصرية والاسترقاق إلى «العالم الجديد» وتشتيت مئات الآلاف من العائلات وهدم النسيج الاجتماعي لملايين الأفارقة، جريمة ضد الإنسانية متحججة بأن تلك التجارة الوحشية كانت تقرها الأعراف الدولية السائدة وقتذاك في محاولة يائسة وخجولة لتضليل الرأي العام الدولي ومتناسية أن تلك الأعراف هي التي صنعتها لاسترقاق البشر وتكديس الثروة في الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.

ومن هنا يتعين اليوم على النخب السياسية والمثقفين والأدباء والصحفيين في القارة الأفريقية وفي الشتات أن يعملوا دون هوادة على كافة المستويات الفكرية والسياسية والثقافية لإجبار دول مثل بريطانيا على الاعتذار عن جرائم الاسترقاق والاستعمار خاصة مع صعود جيل جديد من الأوروبيين إلى سدة الحكم مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي لم يتردد عندما كان مرشحاً للرئاسة خلال زيارته إلى الجزائر في وصف استعمار بلاده للجزائر بأنه جريمة ضد الإنسانية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات