العقل الليبيّ

علي المجبري |
علي المجبري

العقل هو الوعي، الصواب، الجهاز العبقريّ المحلل للأحداث، القارئ للأفكار والعواطف والمشاعر. الباحث، الذي لا يملّ البحث، عن الحقيقة. إنّه أكبر وأقدم جهاز للشكّ، والتساؤل، وللقراءة المبصرة المحلِّلة.. جهاز ذاتيّ التحديث؛ لا يحتاج إلا إلى صورة، أو صوت، أو حدث، حتى تئنَّ وتجعجع تروسُه الذهبية العظيمة!

فالعقل هو الجهاز الأوسع قراءةً، وتحليلا، وتفسيرا، واستنتاجا، والأكبر انفتاحا على الاحتمالات كلها!. إنه المديرُ، الذي يتطور كل ثانية، والذي يعي ما يحدث ويدور "الآن"!

فهل هذا هو حالُ عقلنا الليبيّ؟

أليس العقل الليبي جزءا من العقل العربي مقطوفا أو مسلوخا منه؟ ألم يكن واحدا من حرّاس العقل العربي بكلَّ حسرته وهزائمه وعاهاته؟

العقل الليبي عقلٌ غير مناضل، غير محارب.. لا يشقَى بتفكيره ولا يرهَق أو يمرض أو يعاقَب.. إنه عقلٌ ظرفِيّ، تقوده العاطفة البدائية؛ عقل لا يمتد فرحه أو استنكاره أو غضبه إلا ساعة، ثم يخبو وكأنه لم يفرح، أو يستنكر، أو يغضب.

فهل يوجد شيءٌ يميز عقلنا الليبي عن العقل العربي؟.. هل عقلنا أكثر إشراقا، أو سطوعا، أو ألقا؟. أكثر ذكاء ونبلا وتقوى واستعدادا للمواجهة؟. هل هو عقل منفتح على الآخر، متفاعل معه؟

إن العقل العربي هو أشبه بآلة قديمة مقلوبة التروس!.. ؛ عقلٌ لا يتقدم إلا مدْبرا، ولا يستعد إلا للسقوط والهزيمة والتخلّف!. فعقلنا طوال مسيرته معنا لم يقدر ويقوَ ويتسلّط على شيءٍ غير لغته العربية!.. لغتنا المسكينة التي طالما جمّلت هزائمَه كلما سقط مصروعا مُنكبا على وجهه!

فكيف هو العقل العربي الذي جاء غذاءً لعقلنا، وجئنا نسخةً أمينة عنه، صافية.. غير مخلوطة بشيء!

إن العقل العربي هو أكثر العقول كرها وعداوة للتحضّر والمعارف والعلوم. بل هو العقل الوحيد الذي يمقت كل هذا، ويرتاب فيه!، فالعربي لا يطلب شيئا من عقله، إنه يفضل أن يطلبه من المصابيح السحرية، أو من السماء معتقِدا أنها تعمل لديه.. ولم تتمطّط فوقه إلا لخدمته!

فهو لا ينظر إلى السماء للتأمّل والتفكير، ولكن لطلب الخبز، والماء، والمعونة.. وكل شيء!

إنّه عقل لا يبحث عن الحقيقة، ولا يسهر ويسقط من أجلها..إنه لا يريد إلا أن يفرك مصباح علاء الدين، ليجيئه العفريتُ بالحلول!

عقلٌ يعشق علاء الدين، ومُرجانة، وسندباد، وعلي بابا، وباقي نجوم ألف ليلة وليلة!. يحفظ قصصهم عن ظهر قلب، في حين يقف واجما أمام كل شيء غير خرافاته وعفاريته!

عقلٌ عشَّشت فيه قصص الشياطين والمردة ألف عام، بينما يعجز عن الاحتفاظ بمعادلة رياضية واحدة، ليوم أو بعض يوم!؟. فهو العقل الوحيد الذي تملؤه الخرافات والأساطير والعفاريت، وتأكله، وتدوم فيه!

فعقلنا لا يقبل المعادلات الصعبة، لا يقدر عليها، ولا يرغبها، إنه يقف أمامها واجما، عاجزا، معاقا، مبَلِّما. عقلٌ معاد للحركة، عاشق لكل ما هو مقبور، ميِّت، أخرس، أبكم.

فلأيّ سببٍ اشتهر العقل العربي، بأنه عقل بسيط، يعجز أمام كافة المسائل المركّبة أو المتشعبة أو المتسلسلة أو المعقدة؟

أليس العربي- دون سواه- يؤمن بأن العقل لا ينتج إلا الدمار، والخراب، والحروب، والتطاحن!؟ .. إنّ الكسول الذي يمتلك الثروة لا يمكن أن يجيء إلا مستهلكا.. لا يمكن أن يكون إلا منتظِرا، مترقبا إنتاج الآخرين، ليلتهمَه دون ذكاء أو شرف أو تقوى.

فالعقل العربي، هو أكبر مستهلك في سوق العقول العالمية! .. إنه المستهلِك رقم واحد، لكل ما هو شائن، وتافه، ومهمل متروك.
فهل يوجد عقل يرسِّخ ويطوّر التخلف مثلما يرسخه العقل العربي، ويطوره؟

هل عقلنا العربي "نعمة" علينا، أو على غيرنا؟: إنه سوطٌ، لا ينال غير ظهور المفكرين والفلاسفة والمبدعين (إذا وجِدوا طفرةً، أو أملا، أو حلما، أو افتراضا) سوط قاهر للذكاء والحرية والفكر.. ممزق لكل ما هو ذكي أو جميل أو نافع!

إن العربي، لا يقبل إلا رأيه، ولا يرضى بغير صوته، مهما جاء رأيه فاسدا، وصوته خافتا مسلوبا مخنوقا! .. إنه يرى نفسه كبيرا إلى الحد الذي لا يرى معه الآخرين. إنه الكبير، الذي لا ند لجثمانه، أو عقله، أو إيمانه!.. الفرد الذي لا يؤمن بغيره، ولا بما حوله من طبيعة، وهواء، وأفكار.

أيها العقل الليبي- أما وقد خبِرنا نبعك العربي- فإننا لا نطلب منك أن تجيءَ خارقا، نابغا، فريدا.. لا نريدك أن تدهش العالم، وتُخرِج الأرنبَ من القبّعة!.. فقط نريدك أن تفتح نفسك على التعلّم، وأن تتفاعل مع الآخر، تتقبله، وتؤمن بوجوده.

إن الليبيين يختلفون، ليس بسبب تنوّع ثقافاتهم ومعارفهم، ولكن بسبب طبيعتهم وتركيبتهم التي لا تؤمن بالجماعة؛ فالاختلاف والتنوّع والتناقض لا يعيب العقل، بقدر ما يعيبه الثبات والجمود!

انظروا إلى العالم!. كم مِن ثوابتَ.. كانت.. لم تعد الآن كذلك!

لنقرّ بتخلف عقلنا، فالإنكار لن يقودنا إلا إلى المزيد من التخلّف، والغوص في حجج، ومبررات، وأعذار، حتى الغرق. إن تحلُّوا مشكلة عقلكم، تُحل جميع مشاكلكم!

ولكي يؤمن الليبيون ببعضهم.. ولكي تنهض ليبيا، واثبة، قافزة، محلِّقة، في فضاءات الحرية والحقيقة.. على العقل الليبي أن يتخلى عن أوهامه وتخاريفه وتهيؤاته.. علنا!. أن يكسِّر أغلاله النفسية والفكرية والذهنية.. أن يتبرأ منها علنا!

أيها الليبيون.. لا شيء يتفوق على العقل!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات