ازدواجية الخطاب

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

هناك مفارقة وجب الإشارة إليها تتمثل في إحساس وشعور خفي يبدو بوضوح لدى كثير من المهتمين بالتحليل السياسي، أو أولئك المنحازين لأطراف الصراع في ليبيا. الملاحظة تتمثل في اهتمام الجميع بما يقوله السفير الفلاني أو الوزير العلاني من الدول الأجنبية، وماذا أجاب رئيس وزراء الدولة الفلانية أو الرئيس أو وزير خارجية. والجميع يسعى إلى خلق علاقة ما مع أي قوى خارجية سواء عربية أو أجنبية.

وفي نفس الوقت الكل يخاطب مريديه بخطاب منافق ويدعي أنه ضد التدخل الأجنبي، بل يصل الأمر إلى التلاسن فيما بينهم بحيث يتهم كل طرف الآخر بالعمالة وجلب الوصاية وأن فلانا عميل لفرنسا وروسيا وعلانا عميل لأميركا وبريطانيا... وإلخ.

اليوم الكل يعلم أن ثورة ليبيا صار اسمها الأزمة الليبية والكل يسهم في تفاقمها حسب قدراته وحسب الدعم الذي يتحصل عليه سواء من أقطاب الدول القريبة أو البعيدة والمنخرطة في التأثير على الشأن الليبي.

ولا أحد يريد الاعتراف لمريديه بذلك ولا أحد يقر بأننا وصلنا إلى مرحلة لم نعد فيها إلا (قاصرين بمعنى الكلمة) على إدارة أمرنا.

وحتى هذه اللحظة لا يزال حال كثير الأتباع وبفعل البروباغندا الإعلامية لم يتيقنوا بعد، ويتجاهلون حقيقة واضحة مفادها أن صراعنا على السلطة وصل إلى نقطة أن لا أحد يستطيع أن يستحوذ على (الغنيمة) بمفرده.

في هكذا حال أصبح خطاب التأجيج والتحشيد وإذكاء روح الكراهية والإقصاء هو السائد لأجل ضمان استمرارية الأتباع في الوقت الذي مازال حاملو السلاح "الميليشيات" خائفين على أنفسهم من الملاحقة. يهدأون برسالة تطمين ويطلقون العنان لشقوتهم إذا ما تبين لهم أن دورهم انتهى، وقد يحاسبون على ما اقترفوا. في هذا المناخ المتضارب تستفيد "الجالية الوهابية" من هذا الحال وتتمدد في أوساط البسطاء وأهلنا الطيبين.

المؤسف أن نجد أحيانًا نفرًا من الأتباع والمريدين لأطراف الصراع (ملكيين أكثر من الملك)، وحتى عندما يلوح في الأفق بصيص أمل في "مصالحة ولم الشمل"، كما يتم التعبير عنه؛ نجدهم لا زالوا في سباتهم القديم ولم يستوعبوا التغييرات التي ربما تجعل ما يلوكونه من فحش القول حجة عليهم يستحقون عليها العتاب وربما المساءلة والعقاب.

لا زال الخطاب التحشيدي الشعبوي سيد الموقف ولا زالت مفردات الكراهية تسود لغة المتحدثين، ولا زال استحضار ما حدث في الماضي والبحث فيه عن آلام ومآسٍ تسهم في تأجيج مشاعر الثأر والانتقام والتشفي؛ بحيث لا تترك مكانًا لخطاب التسامح والمصالحة والوئام.

رغم أن كثيرًا من المتابعين للمشهد الليبي يلاحظون بوضوح تام أن جميع المتصارعين يمدون أيديهم لجهة ما "خارجية؛" مما يستدعي السؤال: لم تكابرون وتنعتون خصومكم بالخيانة والعمالة؟!. وإذا كنتم تقولون إن أهل الخارج لا تقيمون لهم وزنًا فلماذا تتسابقون في الذهاب إلى مرابعهم واستجداء دعمهم وتأييدهم؟!

ما أردت الإشارة إليه هنا هو أننا نعيش في زمن وصل فيه المواطن إلى أقصى درجات الضنك والعوز بفعل تراجع الاقتصاد وغياب الأمن، وكان يفترض أن تنتهي لغة التخوين وخطاب ما قبل العولمة، وتنتهي فيه أكذوبة الخيانة والعمالة لأنه وبتلك المعايير الغابرة يصبح كل من في المشهد السياسي اليوم عميلاً؛ فلا أعلم أحدًا ليس له ارتباط بدولة ما قريبة أو بعيدة. ولذا فحقيقة لغة التخوين ليست إلا لغة مخادعة للضحك على أهلنا الطيبين واستثارة الحمية والعصبية وحشد الأتباع، وغدًا تشرق الشمس على تلك الأباطيل. ويحين وقت للتوقف عن تداول كلمة “الخيانة” عند الحديث عن الخلافات السياسية.

وسيبقى التخوين هو أحد عناوين "الحرب الأهلية" المشتعلة بين الخصوم السياسيين الذين يتخندقون في خنادق أيديولوجية وجهوية، ويتراشقون بتهم التخوين والتكفير والتخطئة في معارك دونكيشوتية حول احتكار “الحقيقة والصواب”، يعتبر فيها كل طرف نفسه هو الممثل الوحيد للوطنية أحيانًا أو "للفرقة الناجية"، أحيانًا أخرى وما هم بوطنيين ولا فرقة ناجية.

ويبقى التكفير والتخوين وجهين لعملة واحدة وينبعان من نبع واحد وهو الكراهية. وما هو إلا تعبير عن وجود أزمة سلوكية أخلاقية وأزمة سياسية مردها إلى التكالب على السلطة والمال.

ولن تمحي ظاهرة التخوين إلا بمحو الذهنية الأحادية وادعاء الصوابية وامتلاك الحقيقة، وتجاوز المطامع الشخصية والجهوية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات