جلباب السعودية لا يتسع للشرق الأوسط

علي الدلالي |
علي الدلالي

من المستبعد أن تتمكن السعودية من أن تصبح القوة الإقليمية الأبرز المؤهلة لقيادة منطقة الشرق الأوسط، التي تجمع ساكنة تقدر بحوالي 420 مليون نسمة، مهما أبرمت من عقود للتسلح وأنفقت من المليارات على حساب برامج التنمية الاجتماعية والإقتصادية الشاملة والمكانية للشعب السعودي، لأن هذه القيادة تتطلب شروطا ومعايير محلية وإقليمية ودولية تفتقر الرياض إلى الكثير منها.

توجد السعودية في المنطقة الأكثر اشتعالا في العالم، سواء من حيث النفط والغاز والممرات والمضائق البحرية، أو نتيجة للنزاعات الدموية والدامية الطائفية والمذهبية والعرقية، ناهيك عن الأحقاد الشخصية والصراع المحموم على السلطة داخل العائلات الحاكمة في المنطقة، وسياسات التهميش والتخلف وانتشار الظلام في معظم بلدان الإقليم.

لم يعد خافيا على أحد أن صراع الأقطاب المحموم على السلطة في السعودية بين ولي العهد ووزير الداخلية محمد بن نايف، وولي ولي العهد محمد بن سلمان وزير الدفاع، تفجر منذ الأشهر الأولى لتنصيب الملك سلمان بن عبد العزيز الذي تجاوز الثمانين، حيث تم تقليص صلاحيات ولي العهد في الملفات الأمنية مؤخرا، ناهيك عن الرفض السلبي بين أفراد الأسرة المالكة لقرارات الملك سلمان، والتململ في أوساط السعوديين خاصة في صفوف الشباب، وانهيار أسعار النفط، والضغط الأمني لمنع تسرب "الجهاديين" إلى المملكة مع الاستمرار في الإنفاق على تصدير الأيديولوجية الوهابية إلى الخارج والأعباء الثقيلة لحرب اليمن التي علقت المملكة في تياراتها وعواصفها الهوجاء ورمالها المتحركة.

على صعيد آخر، لم تتمكن المملكة- رغم محاولاتها المتكررة- من قيادة مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في الرياض عام 1981 بمبادرة من أمير الكويت الشيخ جابر الصباح، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، بسبب تباين المواقف بين العواصم الخليجية على المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، بما في ذلك الاختلاف في تعريف الإرهاب وتحديد الجماعات الإرهابية، إلى جانب الخلافات الشخصية بين قادة دول الخليج النفطية رغم الابتسامات و"تقبيل الأنوف" التي تنقلها عدسات التصوير.

وفي الوقت الذي تشيطن فيه السعودية نظام الملالي في إيران وتعتبره العامل الأساسي لعدم الاستقرار في المنطقة، بل الداعم والراعي للإرهاب الدولي، وهو ما أكد عليه الملك سلمان في كلمته أمام القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي استضافتها الرياض مطلع الأسبوع، إلا أن ثلاث دول من دول مجلس التعاون الخليجي الست على الأقل، وهي قطر والكويت وعُمان، ترتبط بعلاقات تعاون وثيقة مع طهران.

وفي نفس السياق، بعد خروج العراق من القطبية الثلاثية (العراق والسعودية وإيران) في منطقة الخليج بسبب الاحتلال الأمريكي لبلاد الرافدين وسقوط بغداد، سعت قطر إلى البحث عن عوامل لرفض الانصياع للمحور السعودي والعمل على تفكيك محاولات الوصاية والهيمنة السعودية على دول الخليج الأخرى وذلك باستقطاب ودعم تنظيمات أصولية أبرزها حركة "الإخوان" وتوفير الملاذ لقياداتها من كافة الدول في حين قامت السعودية بإدراج "الإخوان" على لائحة المنظمات الإرهابية، وإن كانت حدة معاداة المملكة لتنظيم "الإخوان"- بحسب العديد من المصادر العربية والغربية- قد خفت مع تولي الملك سلمان العرش، ما يفسر إلى حد كبير حالة الجمود المسكوت عنها في العلاقات المصرية السعودية.

كذلك، فإن الخلافات السعودية الإماراتية في اليمن لم تعد سرا على الرغم من انخراط الإمارات في حملة "عاصفة الحزم" لتدمير اليمن بقيادة السعودية حيث تسعى أبو ظبي إلى منع السعودية من الهيمنة الكاملة على اليمن صاحب الموقع الإستراتيجي المميز المطل على البحر الأحمر والمحيط الهندي، وعرقلة مشروع بناء مدينة النور (اليمن - جيبوتي)على باب المندب من جهة اليمن وجيبوتي في أفريقيا وربطهما بجسر يوصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، ما سيقود إلى تقليص دور ميناء دبي الدولي، أحد أهم الركائز الاقتصادية للإمارات، ضمن أهداف استراتيجية أخرى، منها الأطماع السعودية في النفط اليمني.

إن أحلام السعودية التي تضاعفت مع ارتقاء الجيل الثاني من أسرة آل سعود إلى سدة الحكم لقيادة الشرق الأوسط، تبدو صعبة المنال، إن لم تكن مستحيلة، في وجود إيران كقوة اقتصادية وعسكرية فاعلة على الأرض تحمل مشروعا تحت عباءة الدين لنشر "التشيع" في مواجهة المشروع السعودي الذي يتخذ بدوره من الدين خلفية له ومنصة لتحركاته لنشر الوهابية في العالم.

ويواجه المشروع السعودي طموح تركيا التي تتوفر على إمكانيات اقتصادية هائلة ويتطلع رئيسها رجب طيب أردوغان بعد تعزيز صلاحياته الدستورية إلى إحياء أمجاد الإمبراطورية العثمانية خاصة بعد تراجع مساعي انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، إلى جانب المشروع الإسرائيلي الذي يحاول الغرب بقيادة الولايات المتحدة تسويقه كقوة لتطوير منطقة الشرق الأوسط وتنميتها على خلفية مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي سيقود إلى اختفاء الكثير من الدويلات القزمية وولادة كيانات سحقها التهميش على مدى عقود طويلة منها الكيان الكردي.

ولا تزال مصر رغم مشاكلها الاقتصادية والانفلات الأمني وتصعيد المواجهة مع "الإرهاب" الذي ضرب مصر في العمق وفي الأماكن الحساسة، تشكل عقبة أمام تمدد المشروع السعودي خارج حدود منطقة الخليج النفطي، وهو ما اتضح بشكل جلي من خلال التباين في الخطاب المصري والسعودي في القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض حيث حرص الرئيس السيسي على اتهام دول معروفة دون أن يسميها برعاية الإرهاب وتوفير التمويل والتدريب لعناصره والملاذات الآمنة لقياداته.

ومن هنا أعتقد أن زيارة الرئيس ترامب إلى الرياض وما رافقها من حديث عن المليارات التي أسالت الكثير من الحبر واللعاب في شتى عواصم العالم لا يمكن أن تفيد السعودية في مشاريعها الإستراتيجية المستقبلية لقيادة المنطقة حيث يمكن القول إن الرياض راهنت على رئيس شعبوي قد لا يتمكن من استكمال ولايته الرئاسية وسيتم عزله إذا ما تأكد تسريبه لمعلومات سرية إلى الروس ولن تتمكن أيضا - وهو الهدف السعودي الأكبر- من شطب قانون "العدالة في مواجهة رعاة الإرهاب" المعروف اختصارا تحت اسم (جاستا) الذي يطال المملكة وسيلتهم منها ما تبقى من المليارات، ليس في المصارف الأمريكية، بل تلك التي لا تزال مدفونة تحت رمال الربع الخالي.

إن قمة الرياض لن يكون لها أي إسهام على المديين المتوسط والبعيد في تحريك آليات مكافحة التطرف والتشدد لأنها تجاهلت بؤر الإرهاب الفعلية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي ورعاته ومموليه وركزت على الإرهاب الافتراضي وكرست الكثير من التباين في وجهات النظر داخل القاعة الفاخرة التي التأمت تحت سقفها والتي ألقت بظلالها على قاعة المركز العالمي لمكافحة التطرف حيث كانت تلك القاعة تجسيدا لواحدة من أبرز صور التطرف المتمثل في إقصاء المرأة، وهو ما أشار إليه الكاتب الصحفي الليبي سالم العوكلي على صفحته في فيسبوك قائلا "إن الصالة التي أقيم فيها افتتاح المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف كانت تعج بالذكور ولا توجد فيها سوى امرأة واحدة، زوجة ترامب، التي كانت تتلفت في كل الاتجاهات وسط غابة الذكور بحثاً عن سيدة تتحدث معها أو ترافقها"، متسائلا " ألا تعتبر هذه الصالة التي افتتح فيها المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف نموذجا للفكر المتطرف هي نفسها؟".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات