الغرابة والسياسة

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

حتى انقلاب العسكر على الملكية الليبية عام 1969 ما واجهتني شخصية ليبية غريبة الأطوار أو غرائبيتها. لا في الحياة ولا في المدارس الست المزدحمة فصولها والتي ضمّت تلاميذَ وطلاباً ذووهم من مختلف المناطق والأصول والشرائح الاجتماعية الليبية والتي تنقلّتُ بينها في أحياء متفرّقة من العاصمة طرابلس محط أنظار المعلمين القادمين من مختلف بقاع الغرب والجنوب الليبيين.

فأستطيع أن أقول أن الشخصية الليبية، على الأقل في جيلي، رغم الاختلافات كانت قريبة من بعضها فيما يشبه التناغم، ولهذا لم أجد صعوبة تُذكر في التفاهم مع الآخرين بل الانسجام معهم. وهو شيء يشبه الحظ السعيد.

غرابة الشخصية بدأت ألحظها سماعاً ورؤية في التلفزيون في شخصيات ضباط الانقلاب، وجُلّهم ريفيون، ومن المجهول البدوي بزغ في التلفزيون أكثرهم ظهوراً وكلاماً: زعيم الانقلاب الذي قفز على السلطة ورفيقه، الذي عُين عام 1972 رئيساً للوزراء والموصوف غالباً من قبل إذاعة ال ب.ب.سي بالرجل الثاني الذي اتسم آداؤه السياسي بالخراقة حتى انعزاله عن الأضواء عام 1993. ليمتليء المشهد الثوري الذي بدأت يغيب فيه ماتبقى من معالم الدولة ومؤسساتها بغرابة القائد الدكتاتور وكتائب حرسه القبلية، ومؤسسته الأمنية القامعة ولجانه الثورية الفوضوية التي لم تُبقِ على شيء.

غرابة الشخصية بدأت ألحظها سماعاً ورؤية في التلفزيون في شخصيات ضباط الانقلاب

المحصلة من هذا هو التوطئة، ووضع شبه مفتاح في اليّد لتفسير غرابة الشخوص الليبية، التي تتكرّر تقريباً بالمعطيات ذاتها متصدّرة اليوم ومنذ عام 2012 وسائل الإعلام كـ:ساسة منتخبين بالصدفة، أو موكلين لأنفسهم مواقع ومهام بحكم الأمر الواقع الذي تتحكمّ فيه الجهويات والقبائليات والتوّهمات المعتقدية، وهم من يشغلون الرأي العام ويتباحثون مع اختلاف مواقعهم وتوجّهاتهم مع ساسة العالم رؤساء ووزراء مصير ليبيا: البلاد التي يتجذّر انقسامها، وتمزّقُها الصراعات، وتتفشى في أركانها الفوضى المعمّمة لأزيد من أربع سنوات.

الكاتب المصري الشهير محمّد حسنين هيكل، الأول الذي التقى الانقلابيين وزعيمهم مبعوثاً من رئيسه جمال عبد الناصر في الأسبوع الأوّل من الانقلاب والذي أشار إلى هشاشة شخصياتهم وغرابة زعيمهم في كتب عديدة له وفي مقالة شغلت خمسين صفحة ضمّها فيما بعد كتابه "كلام في السياسة" كتب على خلفية لقائه بدكتاتور ليبيا السابق في قصر القبة في القاهرة عام 1999 وقد بدأت حلحلة ما سميّت بأزمة لوكربي، متسائلاً كيف استطاع القذافي أن يبقى في الحكم وقد عصفت بالعالم أحداث كان في أكثرها المحور بل صانع الحدث من 1969 حتى 1999؟. وكانت إجابته "لا بد أنه سمع أو قرأ أو تعلم- وهنا بمعنى تلقّف- أشياء كثيرة لا يُعرف كيف ولا متى ولا أين وصلت إليه أو وصل إليها".

ماوصفه هيكل بأسلوبه المتلاعب بالكلمات هو مانعنيه في مقالنا بالغرابة المبتناة على تلّقف تصورات لايُعرف كيف ولامتى ولاأين تّم وصوله إليها، والأخطر وصولها إلى الفرد الذي يوكل لنفسه مهمة تخص التاريخ والسياسة. والخطورة الفادحة أن هذه التصورات الناقصة والمشوشة، بل المشوهة، تكون قد أحكمت تقييم الشخصيات المنفردة لذاوتها بمعزل عن شخصيات الآخرين والعالم المحيط، وهذا التصوّر للذات هو تصور يسير بالتضاد مع تصورات كل الآخرين، دون تصادم التحطّم الكامل لهم وللآخرين، الذي يمنع الحركة، ولكنه يؤبدها. حركة مهزوزة، مخلولة، ليس إلى الأمام وليس إلى الوراء بل مكانك سر. مشلول.

شجّع التوافق المصالحي الذي ظهرت نتائجه شبه الناجحة بداية عام 2011في أفريقيا بدولة ساحل العاج الولايات المتحدة الأميركية أن تنجرّ بنفس الاندفاع الفرنسي لحسم مصير النظام الدكتاتوري الليبي الذي شملته كجاريه وشبيهيه في تونس ومصر عاصفة ماسمّي بتغيير الربيع العربي عام 2011. إلا أن أميركا صُدمت في 2012 بالحدث الإرهابي على قنصليتها في بنغازي الذي فشلت مخابراتها حتى اليوم في معرفة الفاعل الحقيقي وراءه، والذي مسّ هيبتها بمقتل سفيرها، وأربك استراتيجيتها الأمنية في شمال أفريقيا، والذي ألقى بظلاله إلى جانب عوامل أخرى على العملية السياسية والانتخابية التي نلحظ نتائجها وتداعياتها اليوم، باتباع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لسياسة الانكفاء فيماعُرف بـ "القيادة من الخلف" في التعاطي مع الأزمة الليبية، وبروز مؤشرات لانتهاج إدارة ترُمب التي طرأت بعد ذلك في سياسة أميركية عبر الوسطاء، والتلويح بلا دورلأميركا في ليبيا غير هزيمة إرهاب داعش، مما يعني ترك قيادة العملية السياسية بين روسيا والدول الأوروبية من أجل إنهاء خلافاتهم وتضارب مصالحهم في ليبيا وإعطاء إشارة البدء لدور أوروبي، ربما بقيادة إيطالية، لن تتقبلها لأسباب تاريخية ولمعطيات مصالحية خصوصاً بريطانيا برضى، وستعرقلها فرنسا بكل تأكيد بالذات إذا كانت المبادرة الإيطالية متفاهمة مع روسيا، وهو ما أبداه رئيس الوزراء الإيطالي، باولو جنتيلوني، في تصريحه 17 مايو 2017، عقب لقاء جمعه والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في سوتشي بجنوب روسيا.

نتفّق مع الكاتب الليبي محمد بن زكري في أن طبائع الانقسام المجتمعي في ليبيا أنتجت في خواتيم الصراع الليبي- الليبي المستنفد على المستويين التشريعي والتنفيذي التركيبة المؤسساتية القائمة حاليا و منذ عام 2014، والمكوّنة من العناصر الثلاثة الكومبرادور، والقبائلية-الجهوية، واليمين الديني.

نتفّق مع الكاتب الليبي محمد بن زكري في أن طبائع الانقسام المجتمعي في ليبيا أنتجت في خواتيم الصراع الليبي- الليبي

في غياب مصدر استبياني أكثر دقّة نعتمد دلات استفتاء موقع ليبيا المستقبل، بعيّنة عشوائية، تعكس إلى حدٍّ ما اتجاه الرأي في الشارع الليبي المصاغ في سؤال: ماذا تتوقع من لقاء رئيس المجلس الرئاسي لحكومة التوافق مع قائد مسمّى الجيش الليبي في أبوظبي؟. حتى تاريخ 18 مايو 2017.. أجاب 66 مصوتا، بنسبة 28 % : بـ: لاشيء، و أجاب 135 مصوتا، بنسبة 59 %: خطوة على الطريق الصحيح. و أجاب 17 مصوتا، بنسبة 7 %: انفراج للأزمة.

أي أن مجموع عدد المتفائلين بلقاء أبوظبي 135+17 = 152 مشاركا في الاستفتاء، بنسبة 66 % ، مقابل عدد غير المتفائلين 66 مشاركا في الاستفتاء، بنسبة 28 %. النتيجة كما رصدها م. زكري تُبدي تدنّياً في مستوى الوعي العام لدى أغلبية الشعب الليبي، وبأن القدريّة تحكم سلوك الناس وردود أفعالهم في مواجهة الأزمة، التي يبدو تأزمها مرشحاً للاستمرار والتفاقم- فيما لو تُرك الأمر على علاّته وعلله- جراء سلبية الشارع وانتظار أن يأتيه الفرج "مجانا"مراهناً على مجرد لقاء بروتوكولي، ودون أن يؤشّر لحراك رفض ومقاومة للظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي، ودون نضال من أجل حقوق المواطنة، وإن نتيجة الاستفتاء المحبطة، تعطي في المدى المنظور مؤشرا سالبا بأن أية انتخابات عامة قادمة يتّم التلويح بها في الآونة الأخيرة ستفرز نفس التركيبة المؤسساتية القائمة حاليا و منذ ست سنوات.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات