سـأم بـاريس

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

في بلاد الدكتاتوريات الأتوقراطية، أو التوّهمات العقائدية تُصطنع للخروج من السأم البحيرات، والحدائق المعلّقة، وأبراج الأيديولوجيات والهوّيات الواهمة. أمّا في البلاد المؤسسية الديمقراطية، فيصير السأم ثقافة تكتب فيه الكتب الغثيان، والطاعون، وقدر الإنسان، وسأم باريس وليبيا، التي نجح دكتاتورها السابق، مرّ عقوده الثلاثة المضجرة أن يحفر في وجدان الشعب الذي استوى لديه أن يكون الضجران، أو بالقلب اللهجي الجضران نفق السأم، ويحكم عدميته وخواءه مطبقاً عليه فيه وهو ماتُعاش اليوم امتداداته وتجليّاته.

وكما يقال في الأمثال فالدكتاتور نفسه وقع في حفرة السأم التي حفرها للشعب بحصار لوكربي، وهو مادفع رئيس مخابراته وقتها أن يبحث له عن فذلكة تريحه من سأمه، فاصطنع له بحيرة من متفرع أنبوب عملاق من النهر الصناعي، واستنبت حولها شجيرات وفسائل نخل أثمرت، فصارت واحة اصطناعية غنّاء جلبت لها طيور الشمال الغريبة، فأخرج الزعيم من ضجره الطارئ، أمّا سأمه الأبدي، فظل يسكنه وهو مالمحته، في عينيه الضائعتين، وصوته المتلجلج، ولباسه المتنافر وأنا أجلس في الخيمة على بُعد أمتار قبالته قرب اللزوجة التي كانت تحيط به في 15 مايو2010، و21 يناير2011 قبيل أن يتحرّر من سأمه وهو يموت في أغسطس 2011 في أنبوب صرف الأمطار على أيدي المنتفضين عليه قريبا من جنّته المصطنعة في قارة جهنم.

ويستمر السأم في طيران الليل لسانت أكزوبري قبل أن يلتقي "الأمير الصغير" في الصحراء الليبية

مع نهايات القرن الـ 20 وحتى العشريتين اللتين يقترب نفادهما من قرننا الـ 21، يصير السأم الفرنسي حالة مجتمعية ترصدها الانتخابات، فيما عُرف السأم منذ نهايات القرن الـ 18 وحتى منتصف القرن الـ 20 حالة ثقافية فرنسية توصفها الكتب وكُتّابها، من رواية "سلامبو" لغوستاف فلوبير الذي بحث في صورة "سلامبو قرطاج" وراقصة "النحلة المصرية" كوتشوك هانم اللغز المخدّر عن رمزية فاتنة تنهزم فيها الرغبة بالمستحيل، و"سأم باريس" للشاعر شارل بودلير، يحاربه مشتمّا الأفيون في أزهار الإثم، مصاباً متعمّداً بمرض الزهري في أحضان مومسات المباغي الزنجيات، و"إشراقات"آرتر رامبو المستعمل اليوم في فرنسا موضة رائجة في كل الاتجاهات ولدعم كل التيارات، مناضلا حزبيا أو حركيا سياسيا ونقابياً في كومونة ما في باريس منغلقاً داخل حزب أو تجمع سياسي، وهو من كان باحثاً دائما عن أفق جديد كلما وصل إليه تجلى له أفق آخر فراح يركض وراءه عابراً بنعل من ريح، من عُدوة عدن إلى عُدوة مصوّع متاجراً في السلاح وبيض النعام، وسنّ الفيل مبهورا فقط بما دعاه: بـ "الحرية الحرة"بمايشبه اليوم دعوى الفوضى الخلاقة يزحف برجله المبتورة التي تآكلتها الغنغرينا فلا الآفاق تنتهي ولا عشق الدروب اللانهائية ينمحي.

ويستمر السأم في طيران الليل لسانت أكزوبري قبل أن يلتقي "الأمير الصغير" في الصحراء الليبية، والسأم ذاته قدر بشري يطيّر مالرو إلى الصين ليؤسس المتحف البشري بنوافذ مفتوحة، لجان بول سارتر الذي هرب بقوّته الفلسفية التى تهيّب رولان بارت أن ينسبها إلى نفسه، من سأم الوجود والعدم ورواية الغثيان ممتلكاً مفتاح الماركسية الثقافية بتعبير محللّة السياسات الفرنسية راشيل مارسدن بالعودة إلى شخصية فلوبير وتحليلها واصفه في كتابه "عبيط العائلة" بممثل مرض السأم العُضال الحالة التي تصيب النخب: الثوري الطوباوي الذي يدافع في الوقت ذاته عن رجال المال وذوي السيادة المُلاّك، وحقّهم في أن يتملكوا ويتنعّموا، والطليعي التقدّمي الذي يمكنه أن يدافع عن الهيراركية الكنسية، والمُعاين بحساسية رومانتيكية آلام الفقراء، المتألم لعذابهم ولكنه شديد البخل بأن يبدّد قرشاً من ثروثه في عونهم.

ما كان متوّقعاً البُعد السوسيولوجي، لفوز إيمانويل ماكرون كممثل مستقل لتيار الوسط. ففرنسا التي تشعر بأنها ترفل في نعيم التبرجز والاستهلاك المعولم، أيدته منحازة إليه ضامناً لمصالحها، وتجاوزت نسبة تصويتها له 80% في أوساط الكوادر وأصحاب الدخل المرتفع، والشهادات العليا سكنة المدن الكبرى. وعكس عبيط العائلة فلوبير، الذي يبدو أن عائلة مارين لوبان من سلالته يبدو ماكرون في إيهاب اشتراكيته الليبرالية ينهج خطاً إنتخابياً لا يحمل رسالة اجتماعية مميزة. وهو ماجعل الانتخابات الفارطة التي فاز فيها تتلبس ملامح أكثر غموضاً. فأصوات اليسار هي التي حملته إلى المرتبة الأولى لترجيح كفة الخط السياسي لرئيس الوزراء الجمهوري السابق، آلان جوبيه. وسياق حملته الانتخابية لم يدر على مسألة موضوعية بارزة، فيما خلا الوعد بتجدد سياسي. وهو ماسيتبدد عادة ما إن يتسلم السلطة كما صار مع الرئيس المنتهية ولايته هولاند.

مايحول دون تحقق الوعد بتجدد سياسي، المشكلة المتخفية خلف القضيتين الأساسيتن اللتين تمحورت عليهما الانتخابات، وهي الأدبيات التي أطلقتها كتابات سارتر، وتابعه فيها آلتوسير وآخرون كنقد العقل الجدلي، وقضايا الماركسية، والمادية والثورة، أيّ الماركسيّة الثقافية التي تحجب الماركسية الفعلية شبيهتها،إ ذ يستقطع من أرباب الأعمال الفرنسيين نصف أرباحهم تقريباً للأمن المجتمعي، ونظام الرعاية الصحية. فالرواتب في فرنسا تشهد انخفاضاً ملموساً لأنه لم يبق إلا القليل لصرفه، حيث تدفع الشركات الضرائب الباهظة للحكومة على كل راتب في الوقت الذي تحصل فيه المافيات المالية المرتبطة بالاتحاد الأوروبي على نصيبهم كاملاً. وبحسب البيانات الأخيرة الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن فرنسا تأتي في المرتبة الثانية بعد فنلندا من حيث الإنفاق نسبة للناتج المحلي الإجمالي، وذلك لدى مقارنتها مع الدول الخمس والثلاثين الأعضاء في المنظمة.

صوت الاقتصاد "العلم العنيد" يقول فرنسا بحاجة ماسة إلى تحديث اقتصادها وإلى ثورة رأسمالية حقيقية. ولكن الحديث عن الرأسمالية كما بيّنت راشيل مارسدن يستفز بفرنسا في عقول الناس نوعاً من هيمنة المحسوبية الممارسة من قبل النخب الحاكمة، والحديث عن الثورة يُرّد عليه بأن الفرنسيين الذين أصطنعوا أول ثورة شعبية ليسوا مغامرين، لكن ربما يئِس الفرنسيون من المؤسسة أخيراً، والأذى، الذي تسببت به لمعظم الناس، بما في ذلك مراعاة المصالح الأوروبية مقابل السيادة الوطنية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات