كان يا مكان..

هدى علي فهمي خشيم |
هدى علي فهمي خشيم

تبدأ فكرة قوامة الرجل على المرأة في التخمر في رأس الأنثى من عمر الخامسة أو قبل ذلك بقليل. مع كل قصة خيالية تقرأها أو تُحكى لها بشخوصها البطولية ونهاياتها السعيدة يرسخ في رأسِها الاعتقادُ بأن الحياة لا يمكن أن تصبح وردية اللون، كما يجب أن تكون، إلا بعد أن يأتي أميرها حتى وإن كان يمتطي حمارًا، لينقذها وينتشلها مما هي فيه؛ كما حصل مع بياض الثلج والأميرة النائمة ورابونزيل.

يبدأ الجزء الأول من القصة عندما تكبر الفتاة ويزداد شوقها إلى اليوم الذي يحين فيه قطافها كحبة كرز نضجت فأؤتى أُكلها. تحلم بأن يجدها فارسٌ همام مشرق الجبين؛ وتُمني النفس باليوم الذي ستُفتح لها أبواب الجنة تدخلها وراء من خُلق ليجعل من أحلامها واقعًا.

ولكن ما أن تهمد أصوات الدفوف والزغاريد وتُطفأ الأنوار حتى تكتشفْ أن أميرها رجلٌ من عامة الشعب. هو ذاته يحتاج إلى من يمد له يد العون ويقف إلى جانبه ويساعده في تحقيق طموحاته، إن كان لديه طموحات بالأصل. فتكون خيبة الأمل وكسر الخاطر ويبدأ توجيه الملام والاتهامات، وقد يصل الأمر إلى التفكير في الشبه الذي يجمع بينه وبين الصبي «سام» الذي باع بقرتهم مقابل حبات فاصوليا لا قيمة لها. بينما يتيقن هو أنه تم خداعه وأن أهلها أعطوه البجعة السوداء بدل البيضاء. وهنا يبدأ الجزء الثاني من القصة.

القصص والحكايات التي نسمعها في طفولتنا تكوَّنُ حجرَ الأساس لآرائنا وطريقة تفكيرنا في الحياة

إن القصص والحكايات التي نسمعها في طفولتنا تكوَّنُ حجرَ الأساس لآرائنا وطريقة تفكيرنا في الحياة، بالإضافة إلى الأفكار التي يسكبها البالغون في رؤوسنا منذ نعومة أظافرنا. ولهذا نجد التفكير السائد بين كثير النساء يرتكز على افتراض أن حياة المرأة تدور حول محور واحد: الرجل. وأن ظله أفضل من ظل «حيطة»؛ وأنه المسؤول الأول عن سعادتها وتحقيق رغباتها وطلباتها وإلا سيكون السبب في تعاستها. 

حقيقةً هذا أمر ما عاد قابلاً للتطبيق في ظل تطورات المجتمع والتغيرات التي تطرأ عليه كل يوم، خاصةً مع وجود كثيرات تخطين حدود هذا التفكير التقليدي، واعتمدن على قدراتهن الذاتية في تحقيق طموحاتهن؛ وقفن في طوابير الحياة كتفًا بكتف مع الرجل وحفر الصخر يدًا بيد معه. إلا أننا لا نستطيع إنكار الحقيقة الجلية وهي النتيجة الحتمية للاستقلال المادي للمرأة الذي فرضته ظروف الحياة؛ ألا وهو استقلالها الفكري والمعنوي. الأمر الذي لا يتقبله الرجل رغم تخليه عن قوامته بمحض إرادته، إما تقاعسًا وتخاذلًا أو سوء حظ وطالع.

«القوامة».. بين التنازل والتخلي
فالرجل، حسب الموروث الديني والتراثي والاجتماعي، هو القوَّام على المرأة وهو المسؤول عن توفير احتياجاتها ومتطلباتها. ولكنه في الواقع لم يعد يستطيع تحمل العبء وحده؛ ولا يجد بدًا من الاستعانة برفيقة الحياة في ذلك. ولهذا يختار التخلي طوعًا عن قوامته التي هي التزام ومسؤولية يثقلان كاهله. إلا أنه لا يريد التنازل عن قوامته المعنوية عليها، بل يرفض تغيير قناعته بأن سنده في الحياة يفتقد القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة والسليمة.

فمن وجهة نظره، استقلال المرأة المادي لا يعني بالضرورة استقلالها الفكري؛ الأمر لا يتناسب، حسب رأيه، مع طبيعتها التي خلقها الله عليها لأنها مخلوق قاصر ينقصه العقلُ والدينُ، إن تولى الأمر فلن يفلحوا في شيء؛ رغم أنها أثبتت قدرتها على القوامة مثله وأكثر.

وهنا يبدأ الجزء الثالث من القصة. فلا المرأة بقيت أميرةً تنتظر أميرها في قلعتها العالية لينقذها ويسعدها بقية عمرها؛ ولا تمسك الرجلُ بسيفه يذوذ عنها ويحميها صروف الدهر ونوائبه. وهكذا لا يستطيع الراوي أن يختم القصة بالمقولة الشهيرة «وعاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات».

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات