عندما لا يكون الربيع ربيعاً

نورالدين السيد الثلثي |
نورالدين السيد الثلثي

يحلّ الربيع عاماً بعد عام بزهره وزهوه واعتداله، وهو في أيامنا هذه اسمٌ مستعارٌ لعاصفةٍ من الانتفاضات الشعبية، كانت لها مقدماتُها وأحلامُها، وانتهت إلى خيباتٍ شاخصةٍ أمامنا، بلا زهرٍ ولا زهوٍ أو اعتدال. ما يظهر من المشهد الكارثي الذي نعيشه لا يكفي لرسم صورة دقيقة متكاملة لكلِّ ما جرى من تمهيدٍ وأحداثٍ جسام وما قام به اللاعبون المحليون والدوليون من أدوار. الوقت لا يزال مبكراً جداً لانكشاف المستور. ولكن ذلك لا يمنع من تلمّس سياقٍ منطقي للأحداث والشواهد والعلاقات.

لم يستفرد «الربيع العربي» بقُطْـرٍ عربي دون غيره، بل استهدف المنطقة بأكملها؛ ألقى ببضاعته حيث تمكّن، وبقي مترصِّدا حيث تمّ صدّه. أهدافه المعلَنة واحدة وإن اختلفت أدواتها، وأيضاً نتائجه وإن اختلفت درجاتها. جديرٌ والأمر كذلك، أن نوسّع زاوية النظر بدلاً من اعتبار مشهدٍ قُـطْري مُـقتطَعٍ من المشهد الإقليمي العام. وذلك ما يتطلّب اعتباراً يُخرجه من غبار وضجيج وآلام الواقع اليومي المُعاش في دائرته الليبية، والنظر إلى الفضاء الإقليمي والمؤثّرات الدولية الأوسع.

تعود الإطلالة الأولى للربيع العربي إلى غزو العراق سنة 2003. أعلن الربيع عن مَـقدَمه بمشهد درامي ذرائعي تمحور حول كذبة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وجَب نزعه. كان نجم المشهد وزير الخارجية الأميركي كولن باول على مسرح مجلس الأمن في 5 فبراير 2003. وجاءت ضربة «الصدمة والترويع» وصولاً إلى التدمير والتركيع. قُتل مئات الآلاف وضاع وطن، وظهرت وسط الدمار والإذلال قاعدة الزرقاوي وداعش البغدادي. ولم تكن الكذبة إلا ضَحكةً على الذقون ابتدعها الخيال الأميركي مدخلاً للمشروع الكبير للمحافظين الجُدُد. وافتضحت كذبة أسلحة الدمار الشامل لنكتشف هدفاً جديداً وراء الغزو والقتل والدمار؛ هو نشر الديمقراطية، صِـنوُ نشر الحضارة على يد الاستعمار القديم. أين العراق وجنوده وصناعاته وتموره وأدبه وشعره وفنونه اليوم؟

سادت المنطقة العربية عقودٌ من الاستبداد والقمع والفساد من جهة، والفقر والبطالة من جهة أخرى، منذرةً بانتفاضات شعبية وثورات قادمة لا محالة. وكان طبيعياً أن تقوم الأطراف ذات المصلحة والقدرة - أحزابا وجماعاتٍ محلية وقوىً إقليمية ودولية- بوضع السيناريوهات وتوظيف الأدوات والموارد لتوجيه التغيير المقبل على النحو الذي تريد. الولايات المتحدة لاعب رئيس بل هي اللاعب الرئيس في أكثر من معنى. مستشارة الرئيس جورج دبليو بوش للأمن القومي ومن ثَمّ وزيرةُ خارجيته، كوندوليزا رايس، أشارت إلى ما هو قادم في مؤتمر صحفي لها في تل أبيب صحبة رئيس وزراء إسرائيل إيهود أولمرت، اثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان سنة 2006، واصفةً إياه بأنه «شرقٌ أوسطُ جديد» يولد من رحم «فوضى خلاقة»، وأن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» كان قيد الإطلاق من لبنان، وما الحرب الدائرة وقتها غيرُ «آلام مخاض» ولادة ذلك الجديد. «يجب أن نكون على ثقة من أننا بذلك ماضون قُـدُماً نحو الشرق الأوسط الجديد من غير عودة إلى الشرق الأوسط القديم».

وظهر واضحاً في حرب تموز على لبنان طبيعة المنطق المشكِّل للاصطفافات العربية الجديدة. لقد تراجعت «القضية المركزية» من مقدّمة أولويات الأمة لتكون مسألةَ حرجٍ شديد لأنظمةٍ أبدلت الصراع العربي الإسرائيلي بصراعٍ مذهبيٍّ سنّي شيعي، أو هو عربي إيراني، تتقاطع على أرضيته مصالح العرب السنَّة مع الغرب والإسرائيلي نفسه. الخريطة الجديدة لم تعد ترسمها الكتلة الجغرافية المتواصلة والانتماء الثقافي التاريخي، بل الدين في صيغة مذهبية عدائية لا تقبل اختلافاً عن القوالب المعتمدة. وبمنطق هذه الاصطفافات الجديدة ارتفعت أصوات عربية تلقي باللوم على حزب الله -الشيعي- لما اعتبرته استفزازاً لإسرائيل أدّى إلى عدوانها على لبنان. فشل العدوان على لبنان في تحقيق أغراضه وانتكس مشروع الشرق الأوسط الجديد، ولكنه لم يمت.

لقد انطلقت الانتفاضات الشعبية في نسق سريع بدءاً بثورة تونس في ديسمبر 2010 ومن ثَمّ انتفاضات مصر وليبيا واليمن وسورية. نُذُر انفجار الغضب الشعبي في الأقطار الأربعة لا تخطئها العين. كانت الأسباب متشابهة رغم اختلاف الظروف الموضوعية الداخلية من حالةٍ إلى أخرى. الاستبداد وقمع الحريات وسوء حال السواد الأعظم من الناس، تحت سطوة فئاتٍ تمكّنت من المال وارتبطت عضوياً بالسلطة، كانت السماتِ الغالبةَ في كل هذه الحالات. اندفع المنتفضون من عموم الناس بُـغية الخلاص من الاستبداد وأملاً في حياةٍ كريمة ويومٍ يسود فيه العدل والمساواة.

لم تشهد الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية التحسّن المرجوّ في دولتين تحقق فيهما الاستقرار سريعاً هما تونس ومصر، وما كان لها في هذا الزمن القصير مع تعاظم المخاطر الأمنية وارتفاع سقف تطلعات الشعبين بعد نجاح الثورة. أما في ليبيا وسورية واليمن فقد كانت العواقب أقرب إلى عاقبة العراق بعد الغزو الأميركي سنة 2003. دُمِّرت البنية المؤسسية للدولة وعمّ الاقتتال ونزحت كتل بشرية كبرى وانهار الاقتصاد وظهرت مخاطر التقسيم.

كان وراء الصراعات المدمِّرة وما تخللها من إرهاب وتوحش تحريضٌ مذهبي ومنطق الغنائم والإقصاء والنزوع إلى التقسيم بحجج من دفع الظلم ومن التاريخ والقومية. انهارت بنية الدول وضعف الانتماء الوطني وبات الانقسام حقيقة قائمة أو خطراً محدقاً.

نجد أنفسنا اليوم في أتون الفوضى الخلاقة التي يتشكّل من خلالها الشرقُ الأوسط وشمال أفريقيا الجديدان. للدول أهدافها والحقُّ في التحضير لتحقيقها بالتمهيد لها وإعداد العُدّة اللازمة تخطيطاً وابتكاراً وصناعةً وشراءً من بازارات أشباه الرجال. إنه الشرق الأوسط الجديد بلاعبين جدد وأصدقاء جدد وأعداء جدد. مَن مِنّـا لا يزال يتذكر فلسطين؟ كيف تراجعت المطالب بالحريات وسيادة القانون وكرامة الإنسان أمام القتل والنّهب والنزوح والتهجيرـ ليحلَّ محلَّها مطلب الأمن وحسب. مؤامرةٌ؟ هي أممُ تسعى لمصالحها مستخدمةً عناصر القوة فيها، مستغِلّةً عناصر الضعف فينا، ممهِّدةً، فاعلةً في صناعة المقدِّمات، قانِصةً للفرص متى سنحت، دائماً وفقاً لتصوّراتٍ وبدائلَ وحساباتٍ ومخاطرَ مقوَّمَة. ولا يصحّ أن نشكو؛ لوْلانا ما سقطنا إلى ما نحن فيه.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات