حول العلم العنيد

رجب المسلاتي |
رجب المسلاتي

نشرت مرة في صفحتي علي الفيس بوك أن "علم الاقتصاد" أسوأ علم يمكن أن تتخصص فيه. علم عنيد. مزاجي. يوم متصلح. ويوم متملح. ما يسمعش الكلام. ولا يطيع الأوامر. ولا يأبه بالقرارات الجمهورية. ولا بالمراسيم الملكية. ولا بالفرمانات السلطانية. كل ما نستطيع أن نفعله حياله. تسريح مساربه. وتنقية مجاريه من العوائق".

لو أن الاقتصاد كان يطيع الأوامر. لما وجد شعب فقير علي وجه الكرة الأرضية. الاقتصاد علم من علوم الاجتماع.. يشارك البشر في كثير من صفاتهم. قد يستجيب لما يطلب منه. وقد لا يستجيب. وهو قطعا يمقت القرارات والأوامر. يعرف أنه علم يختص باحتياجات الناس، فهو يصاحبهم في بيوتهم ومطابخهم، وفي أماكن عملهم وورش إنتاجهم، وحتما يسير معهم في الأسواق جنبا إلى جنب، ولكنه ليس على الدوام رفيقا سارا. بخيل مقتر. الذين خصهم بعطفه وكرمه ليسوا كثيرين، وهو شديد القسوة. بالذات على البسطاء والطيبين، وعلي خلاف مستمر مع الذين يدعون العلم به.

ليس منا من لا يمارس عملا اقتصاديا بشكل أو آخر، وليس فينا من لم يجابه مشكلة اقتصادية.. كبيرة أو صغيره، حتى ربة البيت البسيطة. عندما تدخل مطبخها لتعد طعاما لأسرتها.. عليها أن تتخذ قرارا اقتصاديا. لو ترك الأمر لها. لأعدت لأسرتها وليمة فاخرة طويلة عريضة.، ولكن الاقتصاد المتطفل. يهمس في أذنها. لا سيدتي لا تستطيعين فعل هذا. عليك أن تكتفي "بمكرونة مبكبكة" بدون لحمة.

من أهم المشكلات الاقتصادية التي يعانى منها أغلبية الناس حاليا هي عسر الجهاز المصرفي

في غياب السلطة.. وشلل يكاد يكون كاملا وعامّا لجميع مؤسسات الدولة. في مثل هذه الأحوال القلقة. لا يمكن أن تسلم الأوضاع الاقتصادية من عدوى الخلل.

من أهم المشكلات الاقتصادية التي يعانى منها أغلبية الناس حاليا. هي عسر الجهاز المصرفي. أو ما يشار إليه بشح السيولة لدى المصارف، وعجز الميزانية العامة. وانهيار قوّة الدينار أمام العملات الأجنبية، وهناك مشاكل أخرى. لا يعي بها المواطن العادي لأنها لا تمسه مباشرة.. وهى عدم فهم الفرق بين السياسة المالية.. والسياسة النقدية.. ترتب عنه علاج عيوب إحداهما بأدوات وآليات الأخرى.. ممّا أدى إلى ظهور تشوهات في الاقتصاد تأذى منها عامة الناس.. ومنها ضعف كفاءة أداء الجهاز المصرفي.. بما فيها المصرف المركزي.. وهو أمر غير جديد.. وعدم قدرته علي متابعة اتجاهات الاقتصاد والتنبؤ بانحرافاته قبل حدوثها.. وبالرغم مما كان وصار..

من حسن الحظ أن هذه المشاكل.. مع عدم الاستهانة بصعوبتها.. وآثارها السلبية.. لا تشير إلى خلل في هيكل الاقتصاد.. ولكن أسبابها ظروف طارئة ومؤقتة.. تعود الصحة للاقتصاد بزوالها.. وزوال الظروف التي أدّت إليها.. فالعجز المالي.. على سبيل المثال.. ليس من أسبابه شح الموارد.. ولكن لوجود أسباب طارئة.. أعاقت تدفقها.. وتدنّي أسعار صرف الدينار في السوق الموازي .. ترجع لجفاف موارد النقد الأجنبي بسبب توقف تصدير النفط من ناحية.. وزيادة الطلب عليه من الناحية الأخرى.. المشكل الأشد قسوة.. والذي عانى منه أصحاب المرتبات والمتقاعدون.. والفقراء الذين يعتمدون في عيشهم على المعاشات التضامنية.. هو قلة السيولة لدى المصارف.. وأسبابها.. هي أيضا لا علاقة لها بحجم عرض النقود.

فوفقا لإحصائيات المصرف المركزي.. فإن الأوراق النقدية المصدرة للتداول.. تجاوزت 24 مليار دينار.. يضاف إليها مبلغ الأربع مليارات المطبوعة في روسيا.. يكون المجموع 28 مليار دينار.. أي بمعدل 5,000 دينار تقريبا.. لكل مواطن.. وهي نسبة عالية بكل المقاييس.. لا تفسير لها سوى أن ما يسحب من أموال من الجهاز المصرفي.. أكثر مما يودع فيه.. وأن حجما كبيرا من التعامل يجري نقدا خارج الجهاز المصرفي.. وهذا واضح من حركة الأسواق.. ويدل على أن شح السيولة لدى المصارف لا يعنى.. بالضرورة.. خللا في عرض النقود.. وعلى كل حال فلظاهرة سحب السيولة من المصارف.. مهما كان السبب.. أثر سيئ آخر.. قد لا ينتبه له الكثيرون.. وهو أن المصرف المركزي ملزم.. بنص القانون.. أن يقتطع من احتياطه الحر بالعملات الأجنبية.. ما لا يقل عن 80% من قيمة النقد المصدر للتداول ويضعها جانبا.. لا يستطيع التصرّف فيها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    7.05.2017 الساعة 15:03

    ملوحة وسلاسة سرد لخبير مصرفي