غزل القطن الأبيض

علي الدلالي |
علي الدلالي

اجتماع رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح ورئيس مجلس الدولة عبدالرحمن السويحلي برعاية إيطالية في روما، قد يبعث بجرعة الأكسجين الأولى لجسد الأزمة الليبية الخانقة القائمة أساساً على الصراع على السلطة والمال.

الخبر يحمل بالفعل بصيص أمل لبداية انفراج محتملة للأزمة الليبية، التي لا بد وأن تنفرج يوماً مهما سوق متصدرو المشهد الليبي من أوهام ومهما رأيناه نحن بعيداً.

الخبر يحمل بالفعل بصيص أمل لبداية انفراج محتملة للأزمة الليبية

لو نقرأ بهدوء بين السطور في توقيت هذا الاجتماع بعيداً عن نظريات المؤامرة والتشكيك، لنجد أنه جاء بعد 24 ساعة من لقاء رئيس الحكومة الإيطالية في واشنطن مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو الأول من نوعه بين الرجلين منذ جلوس ترامب على المكتب البيضاوي، حيث كانت الأزمة الليبية حاضرة بقوة بحسب تأكيدات مسؤولين رفيعي المستوى في واشنطن وروما.

إن رد الرئيس ترامب على جينتيلوني عقب اللقاء بينهما في البيت الأبيض: «لا أرى دوراً لأميركا في ليبيا غير هزيمة داعش»، والذي أثار الكثير من الجدل لا يمكن حصره في «سماعة الترجمة التي لم تكن في أذن ترامب»، مثلما سوقت لذلك بعض وسائل الإعلام ومنها الأميركية «سي أن أن»، بل يجب- قدر المستطاع- قراءة الرسائل التي يحملها هكذا تصريح وبخاصة إذا ما ربطناه بتوضيح ترامب نفسه: «أعتقد أن الولايات المتحدة تقوم حالياً بالعديد من الأدوار، بما فيه الكفاية، في أماكن مختلفة من العالم»، زد على ذلك أن دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية تصنع الاستراتيجيات وتضع قواعد السياسة الدولية وتخرقها وتثبتها متى شاءت وتلعب بها في فن الممكن ولكنها لا تمتهن العبث السياسي مثلما يحدث في غير مكان من العالم الثالث ونحن في قائمة هذا العبث إن لم نكن على رأسها.

أعود إلى قول الرئيس الأميركي: «لا أرى دوراً لأميركا في ليبيا غير هزيمة داعش» في أول قراءة لأستخلص منه ما قد يكون إشارة إلى رئيس الحكومة الإيطالية باولو جينتيلوني عن منح البيت الأبيض الضوء الأخضر للأوروبيين بقيادة إيطالية للاهتمام بالأزمة الليبية على المستوى السياسي والاجتماعي وما يتطلبه ذلك من تقريب لوجهات النظر بين الفرقاء الليبيين في الشرق والغرب على وجه التحديد على أن تبقى «العصا الغليظة» بيد الأميركان لـ«داعش وأخواتها الشقيقة وغير الشقيقة وحتى اللقيطة التي جاءت من جهاد النكاح».

قبل اجتماع ترامب جنتيلوني رأينا الدبلوماسية الإيطالية تنشط في الشرق واستقبال السفير الإيطالي جوزيبي بيروني في طبرق رغم تصريحه المثير للجدل بعد هجوم ما يُعرف بـعناصر «سرايا الدفاع عن بنغازي» على الهلال النفطي قبل دحرهم من قبل الجيش الليبي، ما يؤشر على أن إيطاليا ستتولى الواجهة البحرية لليبيا في حين ستركز فرنسا على الجنوب من خلال عدة سيناريوهات لعل أبرزها تمديد عملية «برقان» العسكرية المتمركزة في تشاد والتي أطلقتها القوات الفرنسية في منطقة الساحل الإفريقي في أغسطس 2014 لمحاربة الجماعات المسلحة التي يطلق عليها الغرب توصيف «الجماعات الجهادية السلفية» لتشمل رسمياً الجنوب الليبي مهما كان القاطن الجديد للأليزيه، ماكرون أو لوبان.

لا شك أن الرئيس الأميركي من خلال سماعة الترجمة أو بدونها أراد أن يبعث برسالة واضحة إلى جميع أطراف الأزمة الليبية والمتدخلين فيها من خلال تأكيده على أنه «لا يرى الأزمة الليبية إلا بمنظور محاربة الإرهاب» ومفادها في اعتقادي أن «مضرب البيسبول الأميركي» جاهز للعمل وقد لوح به ترامب عالياً.

لا ترتقي الأزمة الليبية بأي حال من الأحوال إلى الأزمة في شبه الجزيرة الكورية

لا ترتقي الأزمة الليبية بأي حال من الأحوال إلى الأزمة في شبه الجزيرة الكورية حيث «اللعب بالنووي» أو الأزمة السورية حيث «اللعب على تخوم الدولة العبرية» وأحزمة النار المشتعلة بين الشيعة والسنة والكرد والترك والمسلمين والمسيحيين ناهيك عن النفط والغاز، ولكنها تبقى أزمة حقيقية في خاصرة أوروبا على حوض المتوسط وتلقي بظلال «الإرهاب وعدم الاستقرار» على الدول الأوروبية من خلال «تسونامي» الهجرة غير الشرعية، وعلى دول الجوار ومنطقة الساحل الأفريقي المشتعلة وجميعها مناطق شديدة الارتباط بالأمن القومي الأميركي.

أعتقد أن الكثيرين وصلتهم الرسالة الحقيقية للرئيس ترامب حول الأزمة الليبية والتي عبرت عنها بوضوح مندوبة الولايات المتحدة لدى مجلس الأمن نيكي هايلي يوم 19 أبريل الجاري في جلسة الإحاطة بالأزمة الليبية من خلال تأكيدها على أن الوضع في ليبيا ليس مستدامًا ولن يساهم في بناء مؤسسات أمنية، وإشارتها الواضحة إلى أن دعم الأطراف الخارجية للفصائل الليبية في الصراع يخدم الإرهابيين، وحرصها على أن ليبيا تستحق قوات مسلحة موحدة تحت قيادة مدنية، وتأكيدها أيضا على ضرورة تمتع صناعة النفط بالحماية وإبعادها عن الصراع السياسي وضرورة اتخاذ إجراءات ضد التهريب.

إن هذه الإشارات التي تحمل في طياتها الكثير من التهديد كانت واضحة بما يكفي لتدفع متصدري المشهد الليبي والمتدخلين والمتطفلين أن يسارعوا إلى «غزل القطن الأبيض» كما يقول المثل الأفريقي للإشارة إلى رفع الراية البيضاء، ليبرهنوا على حسن النوايا ويبتعدوا عن دائرة الشبهات ويحموا رؤوسهم من كرات «مضرب البيسبول الأميركي» المتأهب جدًا هذه الأيام.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات