كراكر... خُواف التذكار

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

كتبتُ في جريدة فبراير الورقية 25 ديسمبر 2013 مقالاً بعنوان "الاستقلال من أفسدت ذكراه ضحكة الإرهاب" نعيت فيه ضحايا العملية الانتحارية التي استهدفت بوّابة أمنية بشرق بنغازي 23 ديسمبر 2013 قبل يوم واحد من ذكرى استقلال ليبيا في 24 ديسمبر 1951. وأسميت العملية الدموية بـ "ضحكة الإرهاب" بل قهقهته التي طعنت جلال الحدثين الاستقلال والموت وأسدلت تداعيات محزنة ستارها الحزن والكآبة على ما استأنفه الليبيون فرحاً ثالثاً باستقلالهم بعد ثورتهم الحقيقية في السابع عشر من فبراير 2011. فأفسد الحدث الدامي حينها كل ما رُتب شعبياً ورسميا للاحتفال بالمناسبة الحميمة التي تّم الإعداد لها في مدينة بنغازي التي انطلق منها إعلان الاستقلال بصوت الملك إدريس من شرفة قصر المنار منذ اثنين وستين عاما. واستشرفتُ في نهاية مقالي اندفاع الجماعات الإسلامية المتشدّدة قبل ظهور داعش الذي انضاف إليها بتوّخي هذا الأسلوب الرخيص من الانتقام السياسي ضّد حكومة وبرلمان وساسة ذلك الوقت ومن سيحل محلّهم بعدهم إذ تناسلت منذ خريف 2014 من الحكومة ثلاث حكومات ومن البرلمان برلمانان ومن الساسة عدد لاحدّ له مثل هموم القلب، وهو أمر لا يكلّف الجماعات المتأسلمة سوى إعداد روزنامة بالمناسبات ذات الرمزيات الوطنية وإفسادها بعمليات جهادية لا تكلّف في كل مناسبة سوى بضعة فتيان تؤجّج مشاعرهم ثقافة الانتحار المستوردة من بيئات تغذّي التطرّف الذي يتلبس مسوح التديّن مزنّرين بأحزمة ناسفة أو يقودن سيارات دفع رباعي مدفوعة الثمن من قوى تروّج لسياسة العنف والدم تُعبّأ بالمتفجّرات يتجّهون بها صوب أية نقطة تفتيش أمنية بائسة تشرف عليها قوة من مسميّات الجيش في أية مدينة ليبية. وهو أمر سيؤدي بالليبيين دون غيرهم من شعوب العالم إلى شطب كل المناسبات الوطنية من روزنامة الاحتفال والفرح.

المصير نفسه امتدّ إلى المناسبات الأليمة وتذكاراتها التي من المفترض الاّ تكون محلّ خلاف بين الليبيين كشقيقتها المناسبات السعيدة النادرة، فشُطبت من الروزنامة الحزينة بالإهمال الرسمي والشعبي مناسبات كمذبحة أبو سليم، وجناية حقن الأطفال بميكروب مرض الأيدز، وتذكارات السابع من أبريل عام 1976 وتوابعه إلى عام نقاش أطروحتي في فلسفة التصوف الإسلامي التي مرّرتها محتبس الأنفاس بمدرّج الهوني بكلية التربية 5 .1987.4 في أبريل الرعب والمشانق الذي حلّت مناسبة تذكاره هذا الشهر الذي ارتبط ومازال بكل ما هو عنيف ومحزن، وأليم في الوجدان الليبي الذي أفسدته الحقبة الدكتاتورية في تجليّها الأوتوقراطي المشئوم وتوابعها الموروثة من عنفيات تسود حياتنا حتى اليوم.

حدث الـ7 من أبريل عام 1976 في جامعة بنغازي الذي كنت شاهده وإلى حدٍّ ما ضحيته وربما لولاه وانقلاب عام 1969 لكانت حياتي ليست كما هي بائسة اليوم. فالحدث ظلّ تذكار تناسله في قلبي كالدّم الفاسد المتجلِّط وفي وجداني كالورم الساكن، وفي ذاكرتي كالبلغم في الحلق والفمّ. وقد تعمّدت طوال السنوات من 2012 إلى2016 التلكؤ والمماطلة في الكتابة فيه، وفي هذا العام 2017 مستجمعا ما تبقى لي من همّة كتبت في صفحتي على الفيس بوك ما نحسبه براحنا الوحيد المأمون من الإرهاب بخوافيه المادي والفكري الملموسين والمخّفف بدرجة أقل من ذِهان العنف اللفظي ورهابه.

عنّ لي أن أرسل الحلقة الثانية من شهادتي الـ 7 أبريلية في ومضتها السادسة، فبادلها بالمشاركة على صفحته زميل السنة الثانية قسم الفلسفة بجامعة بنغازي الكاتب منصور أبوشناف، الذي أودى به الحدث الأبريلي عام 1976 مع غيره من الطلاّب الكُتاب في غياهب السجون والضياع ومن صفحته تسرّب لصفحتي Cracker كراكر الخُواف مُعلِّقا سبّابا متخّفيا كعادته تحت اسم الوهم.

من سبابه سأتوقف عند لمزتين أولهما وصفه لي بابن الحضر الذي دمرت حاضرتي ارض البدو، وهو يؤشر بذلك إلى تقريري واقعة في مقالي شهودهاــ ضحاياها ما زلوا أحياء عن سير موكب العنف الجوّال الذي قاده يوم 3 يناير 1976 الطالب (...) الذي أشعل جذوة الفوضى في رحاب الجامعة وقد سار وراءه مناصروه من البدو الملثمين من يتبعون كتيبة أمنية قبلية مشهورة وقتها، وقد رؤي آمرها ممن يعرفونه ساعة الحدث يقودهم وقد كانوا مدججين، بالأسلحة والهراوات المعدنية.

اللمزة الثانية أظهرت مؤشراً يُبدي جسامة التصحير، بل التقحيل الثقافي الذي حاق بجيلين من ما بعد السابع من أبريل عام 1976 فقد تعمّدت مقالتي إبراز نماذج من المعروض الصحفي والمشهدي للأدبيات المُبينة لتقدمية وديمقراطية توجّهات الطلائع المثقفة التي قادت القوة الطلابية، في مواجهة عنف السلطة العسكرية الدكتاتورية وأنصارها الفكريين والقبليين، إلا أن كراكر المعلّق لمز متعمّداً المضاهاة بين هوية الطبقة السياسية بوجهيها المؤدلج إسلاماوياً والمعسكر قبلياً والهوية الطُلابية وقتها وعدُّ الطبقة التي تتبوأ اليوم المشهد السياسي الثوري بالتزييف في التاريخ المعارضة الوحيدة التي تصدّت لدكتاتورية العقود الأربعة. وبمقارنة العنف المستجدّ، بالعنف السابق فالكفّة بالطبيعة ترجح لصف الدكتاتورية التي قمعت الطلاّب الذين تمنّعوا إزاء هوس العسكرة في 14 فبراير 1975، وذادوا عن استقلال اتحادهم الطلابي وجامعتهم في مواجهة السلطة وغشامتها من3 يناير حتى 6 أبريل 1976 والذين نُكلّ بهم من أبريل عام 1976 وكل الأبريلات التي أعقبته لعقد وأزيد من الحقبة الدكتاتورية التي طالت لأربعة عقود.

"الكراكرCracker "هو قرصان الحاسوب الذي يدخل إلى الأنظمة عنوة، ويقوم بأعمال التخريب والاقتحام، لدواعٍ غير إيجابية، بهدف الانتشار أو الانتقام، وهو إلى حدِّ ما عكس "الهاكر hacker " الذي يبتكر حلولاً للمشاكل، ويحاول أن يبدع في عمله الذي يستخدم الكراكر مهارته في اكتشاف أخطاء البرمجة التي يخلفها "الهاكر " في برامج المستخدمين، وما بين هاكر وكراكر سيظل برنامج التنوير الذي نستخدمه يعمل رغم عيوب الذاكرة، وخطلها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات