خان توماهوك

علي الدلالي |
علي الدلالي

الرئيس السوري بشار الأسد ديكتاتور متمسك بالسلطة وهو المسؤول الأول عن دماء الأبرياء التي سُفكت في سوريا ومعاناة الملايين من السوريين وكان بإمكانه أن يجنب الشعب السوري هذه القائمة الطويلة والمرعبة من الضحايا وسوريا الشام هذا الكم الهائل من الدمار لو منع مواجهة المتظاهرين في درعا وكانت له القدرة على ذلك، أو ذهب إليها منذ اليوم الأول ليتصالح مع أهله هناك ويحاسب المسؤول عن التصدي للمتظاهرين بالرصاص أو- وهي أضغاث أحلام- لو ترفع عن لعنة الكرسي-وهو الطبيب- وحزم حقائبه ورحل لتسهيل عملية انتقال سلمي للسلطة في سوريا... ولكن هيهات فهو، كما أشرت لم يقرأ التاريخ جيدا ولم يستطع أن يقدر حجم المؤامرة التي نُسجت لتفكيك سوريا في الغرب بجميع صقوره الداعمين لإسرائيل كما في الشرق بكل مكوناته من الإخوة الأعداء الحاقدين على دمشق "شقيقة بغداد اللدودة".

استغلت الآلة الإعلامية الدولية دماء أهالي خان شيخون وآلامهم ودموعهم في حملة ضارية ضد الأسد واتهمته بقصف تلك القرية، التي لم يسمع بها أحد من خارج سوريا من قبل، بأسلحة كيماوية وتم في أقل من ساعتين تحديد نوع الغاز وخرج قادة العالم "الحر" لإدانة هذا القصف، وكأن قتل عشرات الآلاف من السوريين قبل جريمة خان شيخون بالرصاص والبراميل المتفجرة والقنابل الذكية الأمريكية والفرنسية والروسية والراجمات التركية والإيرانية والأموال القطرية والسعودية والإماراتية وذبحهم بالسكاكين على أيدي العصابات الإرهابية أمر مقبول ولا يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

صواريخ "توماهوك" الأمريكية التي انطلقت من مدمرات أمريكية في البحر المتوسط مرت أمام أنوف جنرالات روسيا

الرئيس الأسد متورط لأنه لم يحزم حقيبته ويرحل ليسمح بالتداول السلمي على السلطة ويمنع سفك الدماء السورية، خاصة وأنه يدرك أن عجلة التاريخ قد دارت وأخذت معها زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبد الله صالح والقائمة ستتمدد بحسب اشتراطات الشرق الأوسط الجديد، ولكن علينا ألا ننجر ببساطة وراء هذه الاتهامات مثل الخراف التي تُساق إلى المذبح، دون أن نطرح بعض الأسئلة المشروعة وأبرزها- في اعتقادي- ما هي مصلحة الأسد، في هذا التوقيت تحديدا، خاصة بعد التصريحات الأمريكية الواضحة بأن رحيل الأسد لم يعد من أولويات أمريكا في المنطقة وكذلك فعل الكثير من الأوروبيين وتركيا المتورطين في الشأن السوري والتزام الدول الخليجية المتورطة بقدر الأسد في سفك دماء السوريين الأبرياء الصمت كي لا تزعج- فيما يبدو- سيد البيت الأبيض الأمريكي الجديد الذي بدأ في إرسال فواتير الحماية الأمريكية.

ومن هنا لا يمكن أن نأخذ تصريحات قادة "العالم الحر" ونشرات الفضائيات العالمية والخليجية وشطحات المحللين "المخولجين" الذين يعملون بطريقة الدفع المسبق دون تفكير مثل "حمير تحمل أسفارا".

لقد دفعنا نحن العرب دماء 1.5 مليون عراقي وقام التحالف الذي قادته أمريكا بحرث العراق بالجرافات وإعادته إلى القرن الثامن عشر على خلفية كذبة دولية أطلقها كبار البيت الأبيض الأمريكي وكبار 10 داونغ ستريت في بريطانيا العظمى بشأن أسلحة الدمار الشامل في العراق وهو ما أكده جيريمي غرينستوك، المبعوث البريطاني إلى العراق بعد 2003 الذي عمل إلى جانب بول بريمر المكلف بإدارة سلطة التحالف الأمريكية المؤقتة في بغداد في تلك الفترة في كتاب نشره مؤخرا «العراق: ثمن الحرب» الذي كان قد كتبه في عام 2005 وطلبت الحكومة البريطانية منه عدم نشره آنذاك، حيث كشف أن خصوم الحل العادل في فلسطين المتعاطفين مع إسرائيل في السلطة الأمريكية-وقتذاك- لعبوا دورا في التأثير على حسابات الإدارة الأمريكية ودفعها إلى الخيار العسكري وغزو العراق بدلا من خيارات أخرى ردا على هجمات 11 سبتمبر 2001 على أمريكا.

صواريخ "توماهوك" الأمريكية التي انطلقت من مدمرات أمريكية في البحر المتوسط مرت أمام أنوف جنرالات روسيا في سوريا دون أن تحركها أو تُزكمها لأنها كانت على علم بمسارها وبرائحة بارودها، ودكت قاعدة الشعيرات السورية وأحدثت دمارا هائلا وقتلت جنودا سوريين، ولكنها كشفت مجددا أن السياسات الأمريكية الخارجية القائمةعلى مبدأ "العصا والجزرة" ثابتة ولن تتغير بتغير قاطن البيت الأبيض.

لقد جرحت هذه الصواريخ قلوبنا الموجوعة بسبب حالة الانهيار العربي وبخاصة عند سماع سوريين ولو قلة وبعض العرب يصفقون لـلعم "توماهوك بن سام"، وأدمتها عندما رأينا "مسؤولين" من عرب الخليج يقفزون فرحا في الهواء مطالبين بالمزيد منها وغيرها أشد فتكا ودمارا، غير أننا قد نجد بعض العزاء في كونهم يجهلون أنهم كلما قفزوا عاليا وسط المآسي والدماء العربية كلما زادوا تعريا أمامنا كما يقول المثل الإفريقي: "كلما قفز القرد عاليا كلما تعرت مؤخرته أكثر".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات