الجاذبية المغدورة

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

أسّس كتاب المنهاج المدرسي لعام 1965"تاريخ ليبيا العام" للمؤرخ محمد مسعود فشيكة وجدان وطنيتي الليبية واصطنع لي التاريخ علما مِرحا أو جذِلاً الوصف الذي عنى به الفيلسوف فريدريك نيتشة "الفلسفة"وفيما قرأت في كتابه الجذّاب أن الروح الليبية بزغت ـ وهذا مالم يجاهر به المؤرخ الغيور صراحة ـ من بضعة عشائر ضائعة في الصحراء إِحداها "الليبو" التي عُمّم اسمها لاحقا على ليبيا، والتي كانت تحارب مع شقيقاتها كالتحنو والمشوش الرياح المتربة في الوجه القبلي المسمّى باسمها جنوب غرب النهر وتغزو بين الحين والحين أرض الفراعنة الملوك الذين اصطنعوا لمصر، هبةِ النيل، دولة وقاموا أيضا ولدوافع سكت عنها التاريخ بإدماج أسرة فرعونية ثانية صارت فيما بعد سلالة حاكمة امتدت قرنين في تاريخهم أسموها بالليبية نسبة لهوّية مؤسسها (شيشنق) سليل عشيرة امتهن ابناؤها العسكرية والكهانة مندمجين في النسيج الاجتماعي المصري سلميا بعد أن فشل أسلافهم عديد المرّات في غزو وادي النيل حربياً.

في رواية نجيب محفوظ "أمام العرش" يشير أوزوريس إلى الكاهن تحوت كاتب الآلهة الذي قرأ من سفرهم أن إرادتهم قضت أن تغزو ليبيا مصر وتكوّن أسرة حاكمة، وفي نهاية حكمها تطايرت وحدة مصر فاستقلت الأقاليم ورجعت إلى العهد الذي كانت عليه قبل الملك مينا. ثم غزاها الآشوريون فتتابعت الأحزان. ولكن التاريخ عكس الرواية المحفوظية لايكتفي غالباً بسرد الأحزان بل الأفراح أيضاً فأظهر شيشنق ليبياً جذِلاً بنجاحه أدار ظهره لبلاده التي أنجبته وانتمى إلى مصر التي أسهم في إثراء تاريخها فأصطنعته فرعونا مؤسّسا بأسمها إمبراطوريتها (الأفرو آسيوية)التي ضمّت (فلشطيم) أي فلسطين والشام، و(مصراييم) أي وادي النيل بوجهيه البحري والقبلي، و(بلاد الكوشيين) أي النوبة والسودان، إلى جانب الواحات المابين، والشرق الليبي الذي لم يلعب دورا لافتا فأهمل ذكره التاريخ.

مُلهما بذكريات النجاح الشيشنقي تلقفّتُ تِباعا عام 1968 وكنت في الـ13 من عمري مقالات الكاتبة المصرية "جاذبية صدقي" في مجلة "ليبيا الحديثة" الحكومية التي عنونت فيها ليبيا بـ " عتبة المغرب العربي"أيّ العتبة المصرية إلى المغارب. ولكن المجلة أُوقفت عن الصدور بعد انقلاب العسكر في 1. سبتمبرعام 1969، الذي جذب ليبيا إلى التطرّفات فتغيّر اهتمام العالم بها وخفتت بل سقطت جاذبية الكاتبة صدقي و"مجلة حواء" النسوية التي كانت تكتب فيها ليس فقط من اهتمامي بل من اهتمامات القراء العرب والمصريين، فمن يذكر اليوم الكاتبة الوقورة، بنت الباشوات المولودة عام 1920 التي تألقت ليس في الصحافة فقط بل في الثقافة روائيةً ومترجمة أدب عالمي وباحثةً بل أستاذاً زائراً فى جامعة إلينوى، وجوّابة عالم كتبت فى أدب الرحلة شائق المؤلفات!؟

تذكرت وصف ليبيا بـ"العتبة" في مقالة الكاتبة المصرية، وأنا اقرأ نتائج تطبيق المبرمج طه الكريوي " SAFE.PATH TRIPOLI" على الفيس بوك وتوطئته المحذّرة للمواطنين من سكنة العاصمة "أنه قبل أن يفكر أحدهم بالخروج من المنزل للذهاب إلى عمله،أو جامعته، أو إيصال أولاده للمدارس.. أن يدخل مجموعة (المسار الآمن ــ طرابلس)، كي يطمئن على سلامة وأمن الطريق الذي ينوي سلوكه من الميليشيات المحتربة والمتنافسة على النفوذ في طرابلس. ناصحه إذا لم يكن لديه إنترنت أن يلزم بيته".

انجذاب الليبيين إلى العنف والتطرّفات وتعايشهم المزمن مع المصيبات موضوعة انكتب فيها ماصار مُعاداً ومكروراً وغير مثير للاهتمام، ولكن التطبيق الوقائي التواصلي على الفيس بوك وبياناته المدللة على تصاعد عدد المستخدمين ، وتعبيرهم عن امتنانهم من الخدمة اليومية التي يقدّمها لهم تبيّن للقارئ المدقق في الطفرات المجتمعية الليبية ومستجدّاتها، أنه صار من مُعتاد سكان العاصمة طربلس والمتردّدين اليوميين عليها الذي قارب مجموعهم مليوني نسمة، التعايش مع الحالة الاحترابية المزمنة عنفاً وسلباً التي تفاقمت خطورتها بعد أحداث عام 2014 الانقسامية وهو ما دعّم لدي وصف "العتبة" ليس بالمعنى المجازي التحضري والإيجابي الذي عنته الكاتبة المصرية في توصيفها التاريخي والجيوسياسي لليبيا عام 1968، بل بمعنى "العتبة القصوى" المرتبة التي عيّنها العلماء في مراتب الإحساس الفيزيولوجي حداً أقصى من شدة المثير الذى لا يستطيع أن يتحمله عضو الحس والذي إن اقترب من شدته تألم، وإذا تجاوزها أُتلف كالنظر إلى قرص الشمس أثناء الكسوف الذي ينصح العلماء باجتنابه لأنه قد تجاوز هذه العتبة الكأداء.

وأنا أعيد قراءة ماتوّفر لديّ من حلقات مقالة جاذبية صدقي عن العتبة الليبية، أثار استغرابي الروح الإيجابي لمضمونها الذي قلب الاستعارة المنبثة في أذهان التاريخ عن ليبيا التي ماانفكّت عبر الزمن تمرّر إخفاقها المزمن مقترحة تداعياته العنفية والفوضوية في التاريخ والجغرافيا والمكان. بل ألمح المقال في كل حلقاته إلى معالم الدولة المستقرّة والآمنة وهو ماعشناه صبيانَ نابهين عام 1968 وأيضاً الواعدة بالفرص بطفرة اكتشاف النفط وتصديره لأبنائها وإلى العمالة المنجذبة لها من المحيطين الإقليمي والدولي. فهل نتبع نصيحة العلم ولاننظر في كسوف قرص شمس الدولة الليبية التي كتبت المصرية جاذبية صدقي انبهارها بجاذبيتها المغدورة اليوم والكاسفة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات