غياب واكتساب!؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

1-
يبدو واضحاً أن ثقافة الاحتواء والاستيعاب والمشاركة وقبول الاختلاف لم تحتل أي مكان في تفكيرنا، بل وتشهد "غيابا" لافتا، وعلى العكس من ذلك بقيت غريزة الاستحواذ وشهوة السلطة هي السائدة الغالبة، بل إنها لدى من خلف أشدّ شراسة ممن قد سلف.

ومصفوفة التبرير جاهزة ومتاحة لتسويق الواقع ولكني لا أظنه يجدى تبرير البعض بالقول شبق السلطة والصراع من أجلها، بسبب طول فترة الحرمان وغياب ثقافة المشاركة السياسية، أو آخر يرجع المسألة للرغبة في ضمان فرصة للاستمتاع بمزايا السلطة فى بلاد لم تعرف السلطة إلا غنيمة، ولعلنا لاحظنا ظهور شعار "الحفاظ على المكتسبات"، ذلك الذي جعل الكثير يتصرفون وكأن السلطة امتياز حصري لهم، تماماً كما الشعور الذي دأب عليه عبر تاريخنا أي سلطان حصل على السلطة بالتغلب وعن طريق القوة.

المسألة في تقديرى أبعد وأعمق من كل تلك المبررات؛ فالأمر متعلق "بثقافة أحادية" راسخة أنتجت "غيابا" لافتا لثقافة المشاركة حتى أصبح الإقصاء ليس مجرّد نزعة سلطوية تنتاب فرداً أو جماعة محدودة، بل أصبح ثقافة عامة راسخة فى العقول تكتسي معظم مفردات اللغة والكلام الدائر بيننا، بحيث يأخذ الإقصاء أسلوباً ناعماً فى البداية لا يتجاوز بذاءة الكلام، ولكن ولأن ثقافته قائمة على النبّذ والطرد واحتكار الحق، فحتما سيأخذ شكلا عنيفا بعد ذلك.

نعم الصراع على السلطة مسألة طبيعية ولكن التجربة الإنسانية وصلت عند الشعوب المتحضرة إلى ابتداع منجز حضاري تمثل في (تداول السلطة سلميا)

نعم الصراع على السلطة مسألة طبيعية ولكن التجربة الإنسانية وصلت عند الشعوب المتحضرة إلى ابتداع منجز حضاري تمثل في (تداول السلطة سلميا) وهذا هو المنجز "الغائب" في مجتمعنا بحيث يبدو جليّاً أن ثقافة الإقصاء الراسخة فى العقول تجعل مشهدنا السياسي غارقا في حالة من التشرذم والانسداد ومشبعا بالصراع والعنف وهدر الأرواح.

إن الإيمان بالتنافس الشريف النزيه سلميا على السلطة "غائب" عن جميع المتصارعين وحتى تجربتنا فى الحكم عبر التاريخ تؤكد أننا لم نشهد تداولا سلميا للسلطة ولا تنتهي أي حقبة زمنية لحاكم إلا بالموت الطبيعي أو بالقتل.. وما يزيد في خطورة المسألة حين يكون الاستناد على مرتكزات دينية كما حدث بعد تغيير فبراير عندنا، حيث الذين قفزوا إلى كرسي السلطة "في غفلة الفرحة بالتغيير" اتجهت نواياهم بقوة نحو احتكار السلطة استناداً إلى "يقين التمكين" من خلال القوة المجرّدة (الدروع، والميليشيات)، وما رافقه من انتشار الادعاءات والشعارات (ثورة التكبير، والثورة المأمورة، تطبيق الشريعة، احتكار الحقيقة الدينية...) إلخ... في محاولة لكي يتسيّد المشهد العام لون سياسي واحد في المجتمع مما يعني فى الحقيقة أننا أمام استنبات دكتاتورية جديدة لا محالة، انعكست في توترات، وأوضاع اقتصادية متردية، وفساد إداري ومالي، واضطرابات أمنية، قبل أن تصل بنا إلى لحظة الانهيار السياسي الذي يطيح بكيان الدولة.

لقد تناسى أولئك وفاتتهم حكمة أنه "لكل ظالم نهاية" وأنه ستأتي ظروف داخلية أو خارجية تطيح بمن حاول إقصاء غيره عن طريق إقصائيين آخرين.. وتستمر حياتنا في ذات الحلقة المفرغة من الاستبداد.

ولذا ولأجل تجاوز "غياب" ثقافة الاستيعاب واكتساب ثقافة المشاركة نحتاج إلى التخلص من "عقلية التصحر" والأحادية التي يعيشها معظم الناس كسلوكيات مكتسبة ومستنسخة عبر الزمن ربما بفعل تأثير عامل المكان الذي يمتاز بندرة وشح الموارد (تاريخيا وقبل طفرة النفط). حيث تبدو الحياة ليس بها الكثير ولا يوجد سوى رغيف واحد إذا أخذ شخص ما قطعة كبيرة فهذا يعني حصول الآخرين على نصيب أقل، ومن ذلك تتولد عنفية الصراع ويزداد الصراع الدامي ترافقا مع وجود الندرة الذهنية التي تتجلى في تصور ذهني للحياة يظن الفرد أنه مالك الحقيقة الحصري، مما يجعل الناس يعانون ويجدون صعوبة كبيرة في المنح والعطاء والمشاركة في السلطة بل يمرون بأوقات عصيبة عندما يضطرون إلى مشاركة الآخرين- حتى لو كان هؤلاء الناس من المقربين- فهم يشعرون كأن شيئا ما قد انتزع منهم حينما يتلقى شخص آخر تقديراً خاصاً أو يحقق نجاحاً أو إنجازاً متميزاً.. وينشأ إحساسهم بقيمتهم الذاتية من مقارنة أنفسهم بالآخرين، بحيث قد يعني نجاح شخص آخر فشلهم، والتاريخ يؤكد لنا حوادث كثيرة تم فيها قتل الإبن لأبيه والأخ لأخيه من أجل الملك.

2-
مقابل الغياب يأتي الاكتساب ويتمثل في عدة مرتكزات منها العقلية الناقدة وقبول الآخر المختلف وروح التسامح، ولكن هنا أشير إلى مرتكز أظنه الأهم وهو "مرونة التفكير" وفي هذة العجالة وللتدليل عليها يحضرني ما قرأته عن بحث تم إجراؤه على الفئران لمعرفة قدراتهم على التصرف فوضعوا فأرا في متاهة وفي آخرها قطعة من الجبن وبدأ الفأر يبحث عن الجبن وأخذ يجرب ويسلك طرقا مختلفة إلى أن وصل أخيرا لقطعة الجبن وأكلها.. استمرت التجربة وغيّر القائمون عليها المكان الذي توضع فيه قطعة الجبن وأعادوا الفأر مرة أخرى للمتاهة من مكان بداية مختلف، وظل يبحث عنها في كل مكان مجربا طرقا أخرى للوصول إليها إلى أن حصل عليها في النهاية بسبب "مرونة التفكير " التي يمتاز بها.. ومقابل ذلك كانت هناك ذبابة تحاول الخروج من نافذة مغلقة وظلت تحوم وتدور، إلى أن نفدت طاقتها وماتت، وكان بالقرب منها باب مفتوح ولكنها لم تحاول حتى أن تبحث عن طريقة أخرى للخروج، لقد كان في استطاعتها أن تخرج من هذا المأزق لو أنها فقط حاولت.

في ظني لا أرى سبيلا أمامنا حتى نتجاوز المأزق الذي نحن فيه إلا ضرورة "تغييب"عقلية الإقصاء و"اكتساب" وتغليب مرونة التفكير حتى تمضي حياتنا بأمان

الشاهد أن الاختلاف بين سلوك الذبابة وسلوك الفأر هو أن أحدهم أصر على نفس الطريقة التي لم تؤدِ إلى الحل ولم تكن لديها المرونة الكافية والثاني كان غاية في المرونة حيث أنه في كل مرة واجه فيها أي عقبة أو فشل كان يغير خطته ويتصرف بسرعة وبالتالي نال مكافأته.

من تلك التجربة نستخلص أنه من الممكن أن يكون إنسان ما متحمسا جدا ولديه بعض المهارات والقدرات وربما لديه أيضا الإصرار والمثابرة، ولكن إذا لم تكن لديه مرونة في التفكير واستعداد لتغيير خطته في كل مرة يواجه فيها التحديات والمصاعب فمن الممكن أن يفشل كما حدث للذبابة بالضبط.

في ظني لا أرى سبيلا أمامنا حتى نتجاوز المأزق الذي نحن فيه إلا ضرورة "تغييب"عقلية الإقصاء و"اكتساب" وتغليب مرونة التفكير حتى تمضي حياتنا بأمان.. ولكم وعليكم السلام.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات