الشعب ليس بريئا!!

علي المجبري |
علي المجبري

أجزم أن انقسام الشعب في تأييده للأطراف المتحاربة شرق ليبيا وغربها هو ما يؤجج الحرب ويسعرّها بشكل مخيف؛ .. فنحن مَن يجعل كل طرف يتفنن في الفتك بعدوه الذي أقنع نفسه بعداوته، ويتفنن في قتله وتعذيبه والتمثيل به وتدمير ممتلكاته لينال تصفيقَ المصفقين وهتافَ الهاتفين وسماعَ الكثيرِ من أصوات التطبيل والطبول والمطبّلين.

التصفيق لقاتل الثيران يجعله أكثر شراسة ودموية في حربه على الثور!. إنه لا يقتله حبا في قتله ولكن في كسبِ التصفيق وسماع عبارات التغزُّلِ في شجاعته وقوته الخارقة.. فلو لم يكن هنالك متفرجون على قاتل الثيران لما وُجِد قاتل الثيران!.

إن حماسة الجماهير لمحارب ما، تجعله يؤمن أن هذه الجماهير تطالبه بالمزيد من البطولات والانتهاكات. فهو على يقين أنه سيحصد منها عبارات الإعجاب والإطراء بعد كل واقعة كبيرة مشهودة. والحقيقة أن حرب الليبيين لن تنجلي ولن تنتهي ما دام الشعب يشارك فيها بتأييده وتحميسه لهذا الطرف أو ذاك. إنه يشارك وبقوة في تأجيج هذه الحروب وجعلها بلا مباديء ولا أخلاق ولا احترام.

.. فالشعب هو قاتل حقيقي رغم كل ما يتظاهر به من حب للسلام ورغبةٍ في إيقاف الحرب!! . إنه يساهم بكل حماسته في قتل الوطن مهما صرخ في آذان العالم بأنه الضحية والمغلوب على أمره. والحقيقة أن الشعب يكذب!.. كما أنه لا يخجل عندما يكذب على نفسه لاعنا الحروب متبرئا منها وكأنه ليس هو وقودها الذرّي وحطبها الناشف الذي يزيد اشتعالها ويكبِّرها لحظةً بلحظة.. فنحن في داخلنا معجبون بالحرب مبهورون بها ومطاردون لأخبارها وبطولاتها الأمية المزعومة!.

توقفوا عن مطاردة أخبار انتصاراتهم ومغامراتهم وفتوحاتهم ولا تعيروها أيَّ اهتمام وسترون النتائج التي قد لا يتوقعها إلا المبصرون

الشعب ليس بريئا مما يحث في ليبيا من قتل وحرق وانتهاكات، إنه أحد أركان هذه الحرب ولاعبٌ أساسيٌّ في تشكيلتها، ومن لا يقرّ ذلك عليه أن يبحث عن الشعب في الشوارع والمقاهي وفي صفحات التواصل الاجتماعي؛ إنك لن تجد فردا واحدا لا يحمل بيدٍ عود ثقابٍ وبيدٍ قنينة كيروسين!.

فالشعب غير بريء، وبالطبع ليس هو الضحية كما يدّعي ويسوّق مهما قدّم نفسه في ثوب الخاسر المنتهَك المهدور! .. ومهما ذرف من دموع التماسيح!!. وبالطبع حروبُنا لن تتوقف ما دمنا نصفق لهؤلاء وهؤلاء ونمجد أفعالهم ونشيّد لهم التماثيل والنُّصُب. فمن يريد حقا للحرب أن تنتهي فليُمسك لسانه، وإذا كنتَ لا تستطيع أن تقول خيرا فلا تقل شرّا.. بل اصمت وحسب!..

صمتك سُيفقد المحاربين حبهم للقتل وسيُفقد كلَّ مصارعي الثيران شهيتهم لقتل حيواناتهم ووخز أجسادها بالرماح وإسقاطها بالسيوف.

.. فالمشاركة السلبية هي فعل إيجابي في صميمه!.. بل هي خير أنواع المقاومة في حالتنا الليبية؛ فكم هتفنا وصرخنا وتفاخرنا بنصائحنا الأُمية، فلم تزدد الحربُ إلا استعارا والنارُ إلا اشتعالا وشمَل القتلُ الصغيرَ والكبير! .
إن أسهل ما يمكن أن يقوم به المرء هو الصمت.. فعلى الشعب أن يمتنع عن تأييد أعمال القتل والحرق والانتهاكات سواء بلسانه أو بقلمه أو أنامله حتى لا يُدانَ في جريمة قتل الليبيين وتشتيت شملهم وتفريق كلمتهم وبذر الشقاق المُزمن بين الليبيين.

ليت الشعب يعالج نفسه وما أيسر العلاج لو أراد!.. اصمتوا عن المتقاتلين شهرا واحدا وسترون العجب.. فكل الذين ملؤوا حياتنا بالصخب والعطب والدماء سيمِلُّون عندما يجدون أنفسهم يلعبون بلا مصفقين أو مطبّلين لبطولاتهم الأمية.

.. توقفوا عن مطاردة أخبار انتصاراتهم ومغامراتهم وفتوحاتهم ولا تعيروها أيَّ اهتمام وسترون النتائج التي قد لا يتوقعها إلا المبصرون. فلا يوجد أبطالٌ دون هتّافين لبطولاتهم مغنين لأمجادهم مثلما لا يوجد سحر دون مدهوشين أو تاجر دون مشترين. فلنبدأ بالمقاومة السلبية لفكرة الحرب وفكرة المنتصر والبطل والفتوحات وستنتهي الحرب دون أن يدري المتحاربون أنها تنتهي.. ستفقد الحرب بريقها وسيركب الضجر جميع المتقاتلين!!.

أنا هنا لا أتحدث عن محاربة تنظيم داعش فهي حرب كل الليبيين، ولا عن حرب بنغازي بمعزل عن حروب الأشقاء واستعداداتهم للحرب، وإنما عن حروب ليبيا كلها -ظاهرها وباطنها- وثاراتها المخزَّنة في أقاليمها الثلاثة.
لقد حان وقت المقاومة، وخير سلاح للشعب هو ازدراء الحرب بصمته عنها!. فعلى الناس أن يتوقفوا عن التصفيق للقتل وعن تمجيد فتوحات الجاهلية وتجريدات الأميّين. فهل سنخوض هذه المقاومة!؟. هل سيتوقف الشعب عن المشاركة في هذه الحروب الأمية الخاسرة في كل أرجاء الوطن !؟... ليتنا نفعل!!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات