دكار أرض الملاذ

علي الدلالي |
علي الدلالي

عندما عرفت دكار قبل زهاء 30 عامًا كانت مدينة هادئة جدًا يلفها المحيط الأطلسي من ثلاث جهات؛ مما يجعل منها شبه جزيرة تنتهي بذراع في المحيط هي أقرب نقطة من اليابسة الأفريقية إلى الضفة الأخرى من المحيط حيث تتربع ما يُعرف اليوم بأميركا.

تم تداول اسم «دكار» لأول مرة العام 1750 ولم يتم تحديد أصل الكلمة بدقة في المراجع التاريخية، إلا أن معظمها ترجح أنها تحريف من «الولوف»، اللغة الأكثر انتشارًا في السنغال لكونها لغة التجارة، «نداك رو» وتعني «أرض الملاذ» لقبائل «الليبو» القديمة التي فرت إليها هربًا من بطش ملك «كايور»، وهي مملكة كانت قائمة في القرن السابع عشر ومطلع القرن الثامن عشر على نهر السنغال.

الضجيج الوحيد الذي كنت تشعر به في دكار وقتذاك كان على مستوى «سامبديون»؛ حيث ميناء الصيد البحري التقليدي وسوق الحوت، وعند السوق الشعبي «سانداغا» في قلب العاصمة وكذلك على مستوى «مارشي كارمال» غير بعيد عن ساحة الاستقلال، وهو السوق الذي يرتاده الأثرياء سواء من الأجانب المقيمين وأغلبهم من الفرنسيين أو السنغاليين الميسورين.

الضجيج الوحيد الذي كنت تشعر به في دكار وقتذاك كان على مستوى «سامبديون»؛ حيث ميناء الصيد البحري التقليدي وسوق الحوت

سوق الحوت الشعبي في دكار يحتاج إلى مقالة خاصة لارتباطه الوثيق بحياة السنغاليين؛ حيث يعتبر الساحل السنغالي من أغنى سواحل العالم بالسمك إلى جانب الساحل الموريتاني. ويوفر السمك 80 في المئة من البروتينات الغذائية الحيوانية للسنغاليين (حوالي 12 مليون نسمة)، ويأكل 95 في المائة من السنغاليين عند الغداء الطبق الشعبي «تشيبودجان»، المكون من السمك والأرز.

اليوم اكتظت دكار بالحركة حيث تضاعف عدد سكانها 10 مرات على الأقل، وبات ثلث سكان البلاد يعيشون في العاصمة وضواحيها، وانتشرت نتيجة لذلك مدن الصفيح بسبب النزوح من الريف إلى المدينة، وزادت أعداد السيارات بشكل رهيب مما أغرق المدينة الشاطئية في محيط من التلوث، وعم الضجيج أينما توجهت بالرغم من توسيع الطرق، خاصة طريق الكورنيش وطريق الشمال والطريق السيارة.

ضاعت وسط الضجيج الهائل للسيارات والشاحنات والورش المختلفة والباعة المتجولين (ما بين 200 إلى 250 ألف منهم يجوبون يوميًا شوارع العاصمة وضواحيها منذ الصباح الباكر، إلى ساعة متأخرة من الليل سيرًا على الأقدام يعرضون بضاعتهم على المارة أو المستقلين سياراتهم الخاصة أو في وسائل النقل العمومي)، والذين أضحوا جزءًا من المشهد الاجتماعي في العاصمة، ومعظمهم من الشباب النازحين من الريف، أصوات الموسيقى الشعبية التي كانت تصدح في كل مكان وناقري الطبول للرقص الأفريقي خاصة رقصة «الصلصة» التي حملها الأفارقة «العبيد» إلى البرازيل، والعازفين على الآلات الموسيقية الأفريقية التقليدية ورواة الأدب المحكي في الميادين والساحات العامة.

الشواهد التاريخية في دكار كثيرة ومتنوعة لعل أبرزها في الذاكرة التاريخية للقارة الأفريقية والعالم جزيرة «غوري» في خليج دكار (تبعد بالعبارة 20 دقيقة)، وهي شاهد على تجارة الرقيق على مدى ثلاثة قرون حيث كان تجار البشر من البيض يجمعون «الرقيق» من مختلف دول غرب أفريقيا في ما يُعرف بـ«دار العبيد» (La Maison des esclaves) قبل «تسمينهم» وبيعهم وشحنهم في سفن ضخمة إلى الأميركيتين.

وتقول المصادر التاريخية إن ما بين 15 إلى 20 مليون من الأفارقة عبروا من «غوري»، وتحديدًا من الباب الذي يُطلق عليه «باب اللا عودة» La porte du non retour)) بعد أن تم اصطيادهم كالحيوانات واقتلاعهم من قراهم، مات حوالي 6 ملايين منهم بالمرض بسبب الظروف اللاإنسانية لشحنهم في تلك البواخر مثل «علب السردين» وتم التخلص من جثثهم في البحر. وهنا أيضًا لا يتسع المجال للحديث عن غوري التي سأعود إليها في مقال آخر إن شاء الله.

لو سألت عن سبب اهتمام السنغاليين بالقراءة وعشقهم لها عشقهم لطبق «تشيبودجان»، فسيجيبك العارفون أن ذلك يعود إلى حب السنغاليين للرئيس ليوبولد سيدار سنغور

أردت أن أتوقف مع القراء في دكار عند شاهدين حاضرين بقوة في الحياة اليومية للعاصمة السنغالية إلى جانب طبق «تشيبودجان»، يتعلق الأول بإدمان السنغاليين والسنغاليات القراءة رغم فقرهم وقلة مواردهم الطبيعية، وهو تقليد يقول عنه العارفون بهذه البلاد إنه ضارب في أعماق التاريخ، حيث تباع الصحيفة عند صدورها في الصباح بـ 100 فرنك سيفا وتنتقل بين الأيادي عن طريق «وسطاء متخصصين» لتصل في المساء إلى 20 سنتًا، ويكون بذلك قد قرأها ما لا يقل عن 10 أشخاص، والثاني بمكتبة «الرياح الأربعة» (Librairie des quatre vents) وفي اسمها كثير الدلالات على انفتاح السنغاليين على قراءة ما تُنتجه مختلف الثقافات العالمية، وهي مكتبة تأسست قبل حوالي 40 عامًا، وتعرض آلاف العناوين من الأدب الأفريقي والآداب العالمية، وفي التاريخ والعلوم السياسية وعلم الاجتماع والعلوم والاقتصاد والشعر والقصة وغير ذلك الكثير.

لو سألت عن سبب اهتمام السنغاليين بالقراءة وعشقهم لها عشقهم لطبق «تشيبودجان»، فسيجيبك العارفون أن ذلك يعود إلى حب السنغاليين للرئيس ليوبولد سيدار سنغور، الأديب والشاعر ورجل الدولة، وإن كانت النخب السنغالية عارضت سياساته التي ظلت تدور طيلة 20 عامًا من الحكم، قبل أن يسلم السلطة وهو الكاثوليكي الملتزم إلى رئيس مسلم (عبدو ضيوف)، في فلك سياسة فرنسا القوة الاستعمارية للسنغال.

أعتقد أن هذا الجواب فيه كثير الحقيقة.. فالناس على دين ملوكهم.. وفي ليبيا جربنا ملكًا «صوفيًا» وآخر «عسكريًا» ونواجه اليوم ملكًا «ميليشياويًا» يتصارع مع آخر «عسكري»، فلم نقرأ.. وإذا قرأنا لا نفهم والدليل صدمة الظلام ودائرة العنف والضياع التي غرقنا فيها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات