بنغازي «روّحت»

نورالدين السيد الثلثي |
نورالدين السيد الثلثي

قضيتُ الأسبوع الماضي في زيارةٍ لمدينة بنغازي أتاحت الفرصة، كما هو الحال دائمًا، للاطلاع على الأحوال المتغيّرة في المدينة، والقيام بالواجبات الاجتماعية والتواصل اللازم مع الأقارب والأصدقاء من حين إلى حين.

وصلتُ مطار الأبرق في الخامسة صباحًا وكانت الإجراءات - على عكس ما كان يخشاه بعض الرّكاب - سَـلِسةً وسريعة. الاندهاش أو الصدمة واردان دائمًا في ليبيا وبنفس الاحتمال. شبابٌ ممسكون بأوراق نقدية يعرضون تحويل العملات. بكَمْ الدولار؟ بخمسة جنيهات وتسعين جاء الرد. صعدنا سيارة أجرة إلى بنغازي من دون اتفاق مع سائقها على المقابل. كان البرد قارسًا عند درجتين مئويتين، والحركة على الطريق خفيفة. مطبّات تخفيف السرعة كثيرة جدًا وإن تمت إزالة نسبة كبيرة منها. الجنود بنقاط الجيش يلوحون بالاستمرار على الطريق كما هو الحال عادةً في وجود ’شايب‘ وزوجه. وصلنا بنغازي التاسعة صباحًا. سألت السائق عن أجره فطلب 120 دينارًا. كان ذلك أقل من المتوسط الأقرب إلى 150 دينارًا.

وبدأت بعد ذلك تجوالي في المدينة بشوارعها وأسواقها ومقاهيها، والاختلاط بأهلها. ليس في المدينة وجود لمسلحين غير نظاميين. الشوارع مزدحمة والازدحام خارج المصارف لافتٌ للنظر. الكهرباء لم تنقطع حيث تواجدت والوقود متوفر. أما المواد التموينية فهي متوفرة ولكنها بعيدةٌ بشكلٍ كبيرٍ ومتزايد عن متناول المواطنين أصحاب مرتبات ’عباد الله العاديين‘ نتيجةَ موجة التضخم العاتية ونقص السيولة النقدية.

الأمن يسود المدينة والشرق عمومًا لقد تنفس الناس الصعداء بعد إحكام الجيش سيطرته على المدينة باستثناء وسط البلاد (سوق الحوت والصابري) وعمارات الأطناش التي تكوّن جزءًا من مشروع إسكاني (15 ألف وحدة سكنية) كان لا يزال قيد التنفيذ عند قيام ثورة فبراير. بنغازي تتعافى. "بنغازي تعود" كما تعلن إحدى اللافتات، و"روّحتْ" كما تعلن أخرى. المدارس والجامعات مفتوحة فيما تبقى من مبانيها أو بمبانٍ موقّتة. الأمان يسود المدينة ويبث الطمأنينة في النفوس؛ تلك حقيقة لا ينكرها إلا جاحد.

إنقاذ الوطن مشروطٌ بجمع السلاح وحلّ المجموعات المسلحة - ليس في المدينة وجودٌ لمسلحين غيرِ نظاميين. الشوارع مزدحمة والازدحام خارج المصارف لافتٌ للنظر

تجوّلت في القوارشة وبوصنيب وقاريونس ومررت بشارع الشجر. وجلست بمقهى أتمّ صاحبه صيانته وأعاد فتحه في شارع فينيسيا المدمرةُ واجهاته. رافقت الصديق العزيز الدكتور محمد المفتي إلى داره وعيادته بالقوارشة وقابلت بعض جيرانه. هم في انتظار دورهم في برنامج الهندسة العسكرية لنزع الألغام. دخلت فِناء المنزل، والدكتور المفتي يحذّر ألا أخرج عن الممرِّ الذي سلكه هو، مخافة الألغام. الضرر بالمنازل وغيرها من البنايات عمومًا أكبر ما يكون بالطوابق العليا، مؤشرًا على مواجهات الجيش مع القناصة الذين احتلوا أعلى المباني متعدّدة الطوابق. سلاحان من أسلحة مجلس شورى الثوار يبرزان من التجوال في الأحياء التي شهدت المواجهاتِ الكبرى، هما القنص والتلغيم. وازدادت خسائر المواطنين بظاهرة السرقات والتخريب الواسعة التي ربما جرى أكثرها بعد تحرير المناطق.

لقد عانى سكان بنغازي الكثير جرّاء اغتيال المئات من خيرة أبنائهم في الشوارع والجوامع، ثم من حربٍ قاسيةٍ ذهب ضحيتَها بضعة آلافٍ من رجال الجيش وشباب المدينة، ومن دمار الممتلكات وضياع المدخرات. ولكنّ الحياةَ مستمرة في رؤى وأحلامٍ متجدّدة. يظهر انبعاث الحياة من جديد في أعمال الصيانة والنظافة وفي المتاجر والمقاهي، وأجمل ما يكون في رؤية التلاميذ متوجّهين إلى المدارس أو عائدين منها. اجتمع في مشهد بنغازي الكبير الصبر والتضحية والإرادة، وليس أهل بنغازي اليوم في وارد التفريط فيما تحقق من مكتسبات.

وجاءت غزوة سرايا الدفاع والقوات المتحالفة معها لتعكّر الصفو، وتُثير غضبًا شديدًا ضدّ السرايا والمتحالفين معها والمحرّضين من ورائها؛ ويشمل هؤلاء - في أعين الناس عمومًا - المجلسَ الرئاسي والمؤسَّـسةَ والأحزاب الدينية. والخطير في ردود الفعل العديدة هو امتداد الغضب عند البعض إلى إخوةٍ في الوطن في مناطق بعينها من البلاد. أتت هذه الغزوة في وقتٍ لاح فيه الخير قريبًا - أو هكذا كان الدعاء والتمنيات - بجمع السلاح والقضاء على الجريمة بكل أشكالها وعناوينها الكاذبة، وفي جميع أرجاء الوطن. هذا لا ينفي أن للجماعات المندحرة في معارك بنغازي قطاعًا من المؤيّدين والمتعاطفين وربما حتى من الخلايا المتحفّزة الحالمة بجولة ثانية. لذلك تكون انطباعاتي المسجلة هنا انعكاسًا للغالب الذي لمستُه في الجو العام للمدينة وإدراكي الشخصي للمشاعر داخل دائرة القربى والصُّحبة.

لقد مرّت بالمدينة منذ فبراير 2011 أحداثٌ جسام، بدأت بالثورة والتضحية حتى سقوط النظام؛ تلتها سنواتُ إرهابٍ وقتلٍ للرجال في الشوارع وأمام الجوامع وحتى للنساء في بيوتهن. ثم جاء رد الفعل من قبائل الشرق في حرب ضروس هي الآن على مشارف انتزاع المدينة من ظلام العنف... والفكر؟

يستغرب الكثيرون في بنغازي أيما استغراب اتّخاذ "عودة مهجَّري بنغازي إلى مدينتهم" شعارًا للغزوة الأخيرة على الموانئ النفطية. أغلب المعنيين مهاجرون أو مسلحون منسحبون، ولا يجوز منطقيًا الحديث عن عودة المهجّرين إلى ديارهم - الذي هو حقٌّ لكلّ مهجَّرٍ ونازحٍ لا ينكره منصف - ولا يكون سكان تاورغا على رأس القائمة. يطفو اسم تاورغا إلى السطح بالنظر للتواجد الظاهر للتاورغية في المدينة منذ سنوات، في تذكيرٍ لا ينقطع بمأساتهم.

ويستمر الرئاسي ورئيسه في التصرف منطلقين من مكانة توافقية موهومة. لقد أزال موقف المجلس من الهجوم على الموانئ كل قناعٍ مفترَض من التوافقية والوقوف على نفس المسافة من أطراف الصراع. لقد تحول المجلس الرئاسي إلى تحالف لأطراف ليبية تتقاسم السلطة متحالفة مع قوى أجنبية لتأمين بقائها. وقد برزت الدولة المستعمِرة القديمة، إيطاليا، في مقدّمة تلك القوى. لقد أصبح الرئاسي خصمًا فيما هو أخطر بكثيرٍ من كل خصومةٍ في السياسة.

الوطن في مفترق طرقٍ فاصلٍ بين استمراره وطنًا لليبيين في شكل جديد يولد من رحم المعاناة تحت حكم الفرد المستبد، وسنواتِ ما بعد فبراير طبَعَها العنفُ والجريمةُ والإرهابُ، والتكالبُ على الغنائم والسلطة وتفسّخُ الدولة.

إنقاذ الوطن مشروطٌ بجمع السلاح وحلّ المجموعات المسلحة.

إنقاذ الوطن يحتاج إلى فك الارتباط بين الأفراد والأحزاب من جهةٍ، والأجنبي بأطماعه في ثروات البلاد وتصدير مشكل الهجرة غير القانونية.

إنقاذ الوطن مشروطٌ بتحييد الأفكار والمذاهب الدينية المتخالفة فيما بينها، عن السياسة وما تقتضيه مسالكُها والمصالحُ والصراعاتُ الدنيوية وتنزيه الدين عن أن يكون طرفًا فيها.

إنقاذ الوطن يحتاج إلى مخلصين لا يرجون غير وجه الله ومستقبلًا مزدهرًا لأولادهم.

إنقاذ الوطن يحتاج إلى التصالح والتسامح والصدق مع النفس ومع الغير.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات