أقراص المجد المخدرة!

علي جماعه علي |
علي جماعه علي

في هذه الليلة ثمة مواطن منهك يحملق في شاشة التلفزيون في انتظار خطاب الحاكم الذي قد يكون ملكًا أو أميرًا أو سلطانًا أو حاكمًا عسكريًا جمهوريًا. يتباطأ الحاكم في الظهور ليس بسبب دخوله المتكرر إلى المرحاض الناتج عن إسهال غير متوقع سيتحمل عقوبته طباخ مسكين، بل ليحصل إسهال من التشويق للمواطن المنهك أمام التلفزيون، فظهور الحاكم ليس ظاهرة عادية يمكن لمواطن عادي توقع توقيت حدوثها بالنظر إلى ساعته. ذلك يحدث فقط في مجتمعات باردة المشاعر لا يهز أفئدة مواطنيها تشويق انتظار خطبة الرئيس المحدد توقيتها سلفًا.

تكوم المواطن المنهك يشاهد طلة زعيمه التي بدت له ساحرة وجذابة، لكنه انتفض فجأة كالممسوس ورمى بعصبية منفضة سجائر عتيقة على مؤخرة عنق ابنه الجالس تحوطًا في ركن قصي من الدار. ذلك لأن الإبن الشقي تجرأ بالقول علنًا، وفي تلك اللحظة التاريخية بالذات، إن الحاكم يشبه خنزيرًا قميئًا. كان قد حذره مرارًا وتكرارًا ألا يتحدث في السياسة، "في هذا الوقت الأعوج يا بني لا تفتح فمك إلا لبلع المكرونة".

رويدًا رويدًا بدأ صوت الخطيب المتشنج في التلاشي ليحل محله صوت زوجته المتشنج كذلك

كتم المواطن غيظه من صفاقة ابنه التي قد تحوله يومًا ما إلى ثائر ينايري أو فبرايري، وأكمل مشاهدة خطاب الحاكم حيث شنفت أسماعه العبارات النارية التي قذفها الزعيم، مثل تنين أسطوري، في وجه الأعداء في الداخل والجوار وفي الأركان القاصية للمعمورة. شعر بالانتشاء أنه عاش زمن هذا الملهم الجسور، هذا "الثلب" الهائج، صانع الأمجاد التي لا تدانى. غير أن حسرة مكمودة ظلت تنغص عليه كلما تذكر مقارنة ابنه للحاكم بالخنزير القميء.

نام المواطن المنهك عاطيًا بقفاه لزوجته المنهكة هي أيضًا بعد يوم كامل قضته بين الشمالات والطناجر ومنشورات فيسبوك. قبل أن ينام ردم تحت كثبان قلقه هاجس أن ابنه قد يتمرد يومًا ما على القائد الرمز وحامي حمى الأمة، بعد أن يكون حينها قد انساق وراء مؤامرة ماسونية بشعة تخطط لها منذ الآن تلك القناة الفضائية اللعينة صاحبة شعار (الرأي والرأي الأحرف).

نهض المواطن صباحًا ومازال منهكًا. لبس كعادته بدلة يوم الجمعة واتخذ له متكأً على حائط المسجد. في هذه المناسبة سيعرف على وجه التحديد توقيت إطلالة الخطيب من على المنبر وعلى غير يقين فيما يتعلق بمحتوى الخطبة، فقط موظف في الأوقاف وآخر في الاستخبارات يمكنهما معرفة ذلك مسبقًا. هل ستكون حول عذاب القبر الذي يقبض الأنفاس أو حور العين التي تنشرح لها الخواطر. أو حول ما إذا كانت الأرض تشبه الدحية أو البطيخة المستديرة أو كونها تدور أو لا تدور. لا يعرف، غير أنه سينتظر نهاية الخطبة المكررة ليؤمن ككل مرة مثلما فعل أسلافه على دعاء الشيخ بمحق اليهود والعلمانيين والشيعة والشيوعيين والصوفيين والليبراليين، وأن ينجي فقط الفرقة الوحيدة الناجية من النار وأن يحفظ ولي الأمر من كيد الأعداء الحاقدين.

رويدًا رويدًا بدأ صوت الخطيب المتشنج في التلاشي ليحل محله صوت زوجته المتشنج كذلك، واتخذت ملامح وجه الخطيب العابس ملامح زوجته العبوس كذلك وهي ترميه بطلبات باهظة لا يقوى على حملها معاشه الضعيف، بدءًا من المكرونة واللحم وهدايا خمسة مواليد وعلبة مكياج صيني وحتى أيفون ستة للإبن الذي سخر الليلة الماضية من الزعيم حين وصفه بالخنزير القميء.

تكدر المواطن تحت وطأة الطلبات الثقيلة لزوجته حتى شعر بالنعاس، وترنح حتى كاد رأسه أن يسقط بين ركبتيه لو لم توقظه صرخة الشيخ المروعة بأن الأرض لا تدور. انتفض المواطن مذعورًا، وحك من تحت الطاقية مقدمة شعر رأسه وتمتم لنفسه "صدق سيدي الشيخ لو كانت تدور حقًا لاندلقت مياه النيل تسقي مزرعتي في أبونجيم!.

المجد الحقيقي يجب أن يكون في متناول يد عمي بلعيد وليس خرافات وأساطير وقصائد مدح وهتافات وأكاذيب

مثلما انتشى ليلته الماضية مع خطاب الزعيم حول الأمجاد التي يعيشها بفضله ويعده بالمزيد منها، ها هو خطيب الجمعة لا يبخل عليه بالأمجاد السماوية جائزة له عن صبره على ابتلاء الفقر والظلم وجائزة له على القناعة وعلى خوفه من الحرية، وبعده عن الفتنة بعدم انتقاد ولي الأمر باسم كودي في فيسبوك وتويتر!.

المجد الذي يحقن به الحاكم وشيوخه وشعراؤه وصحافته مواطنًا منهكًا مثل عّمي بلعيد هو بمثابة جرعات تجهيل مخدرة. شعارات جوفاء فاقعة الألوان على بالونات سرعان ما تتفرقع إذا ما لامست دبابيس الواقع البائس. المجد الذي يوعدون هو نفس البضاعة البائرة للخلفاء المتجبرين وفقهاء وشعراء البلاط في عصور الاستبداد المتلاحقة، فقط يتم تعليبها في عبوات بتغليف جديد وتحمل اليوم ختم خادم الحرمين والقائد الضرورة وأمير المؤمنين حفيد الرسول وحامي البوابة الشرقية للأمة وصاحب الضربة الجوية الأولى والرئيس المؤمن... إلخ. إنه مجد كاذب لإضفاء شرعية من الوهم على من يحكمون دون شرعية ولتحويل الحاكم إلى نصف إله لا ينتقده أحد ولا يشرك معه في الحكم أحد.

المجد الحقيقي يجب أن يكون في متناول يد عمي بلعيد وليس خرافات وأساطير وقصائد مدح وهتافات وأكاذيب تنفخ بها السلطة وشيوخها رأسه صباح مساء. المجد الحقيقي والمجدي هو مسكن صحي لعمي بلعيد ووثيقة تأمين صحي في جيبه ونسخة دستور تزين مكتبته. وهو كذلك طبق غداء صحي متوازن له ولأطفاله ومدرسة عصرية تعلم طرائق التفكير النقدي الجسور وتشجع الإبداع. وهو نظام عدالة كفء وشرطي يعامله بآدمية وصندوق انتخاب تحت رقابة قضاء مستقل، وهو أيضًا مكتبات عامة ثرية وحدائق فسيحة وملاعب رياضية مفتوحة.

المجد الحقيقي ينبغي أن يكون مؤشرات إحصائية دقيقة للحرية والسعادة يرفع خطها البياني الصاعد معه عمي بلعيد وزوجته وجيرانه وأهل البلد، الآن وهم أحياء، من جحور الاستبداد حيث عبادة الوثن الحاكم وحيث الإفقار والتجهيل، إلى واقع إنساني رحيم ومحترم يحفظ كرامتهم ويضمن حقوقهم ويعزز حريتهم.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : علي اعبيد

    24.03.2017 الساعة 00:13

    ابدعت يا دكتور. فقط لا تنسى الهوس بعبادة الاصنام عند البعض، وخصوصا عمك بلعيد، وعمي سعيد، واخينا مجيد..