الهلال النفطي.. مشهد ظاهري ومشهد محتمل

صالح السنوسي |
صالح السنوسي

يبدو أن تسارع الأحداث وتغيراتها على الساحة الليبية في هذه المرحلة ينطبق عليها المثل الفرنسي الذي يستخدم في أدبيات التغيرات وتشابك الأحداث السياسية والذي يقول "ربما مشهد ظاهري يخفي خلفه مشهدا حقيقيا".

قد لا تصنع الأحداث الجارية في الهلال النفطي المشهد الذي يعلن كل طرف من أطراف الصراع أنه سيقود الأحداث إليه. فقد تخرج الأحداث عن سيطرة كل الأطراف التي نراها فاعلة في المشهد الظاهري، وما نعنيه هو فقدان هذه الأطراف تقاسم السيطرة على المشهد والأحداث داخليا لمصلحة قوى داخلية أخرى آخذة في التشكل وقد تختطف المشهد، بمباركة قوى دولية، لتقود الأحداث إلى مسارات ومآلات أخرى أصبحت ظروفها مواتية بسبب عدم تمكن الأطراف الفاعلة في المشهد الظاهري من حسم الصراع أو التوصل إلى حل يغلق الباب أمام نشوء مثل هذه الظروف.

لاشك أن الجهويين يرفضون المليشيات التي كانت تتواجد في الشرق تحت مسميات الدروع وأنصار الشريعة وبقية الكتائب المتطرفة والتكفيرية

لقد بدأت أطروحة الدولة المدنية التي يتبناها الجيش والقوى المدنية المناصرة له وكذلك أطروحة دولة الثوار الدينية، تنزلقان تدريجيا وتخرجان عن سيطرة الفاعلين نحو أطروحات جهوية آخذة في التعضون مستفيدة من حقيقتين يجد كل طرف من أطراف الصراع الثنائي نفسه في مواجهتها:

الحقيقة الأولى تتمثل في أن: خطاب الكرامة ثم الجيش لاحقا انطلق منذ البداية من وحدة التراب الليبي في ظل دولة مدنية، ولكن لا ينبغى تجاهل وجود خطاب جهوي آخر كان موازيا ويتغول على الخطاب الأول في بعض الأحيان، بل كانت تتبناه قوى داعمة للجيش وبعضها في أهم المؤسسات السياسية كالبرلمان. لم تكن الظروف – على ما يبدو- تسمح لقيادة الجيش والقوى المدنية المساندة لها أن تدخل في خلاف مع أصحاب هذا الخطاب الذين لا يمكن الاستغناء عن دعمهم وتأييدهم، ناهيك عن الدخول معها في خلاف معلن قد يتطور إلى صراع لن يستفيد منه سوى الطرف الآخر في الصراع.

كان هناك تناقض واضح بين الخطابين، ولكن كان هناك تعايش فرضته عدة اعتبارات منها:
1- كان الجيش والقوى المساندة له في حاجة ماسة إلى الدعم المادي والمعنوي في منطقة شرق ليبيا التي تمثل قاعدة الانطلاق، وهذا يقتضي تجنب السير في المناطق الملغمة جهويا والاكتفاء بالتواصل عبر المسارات المشتركة وتجاهل الخطابات الجهوية الزاعقة ولاسيما في الفترات التي ترتفع فيها وتيرة الصراع مع الطرف الآخر الذي يراهن على تفجر مثل هذه الخلافات، بينما كانت القوى الجهوية ترى في ذلك فرصة لتفصح عن رؤيتها الجهوية للصراع ولكي ترفع من وتيرة خطابها المتطرف وهي مطمئنة بأن شركاءها المختلفين معها ليسوا في وضع يسمح لهم بالقيام بردة فعل قوية، وبالتالي يتعود الناس ويتم تدجينهم على سماع هذا الخطاب بكل مفرداته القبلية والجهوية المتطرفة باعتباره جزءا من المشهد السياسي.

2- الاعتبار الثاني الذى فرض ضرورة التعايش والسير معا بين الجهوية وقيادة الجيش والقوى المدنية المساندة لها، هوأن الجهويين لا يمثلون ثقلا حقيقيا وسبق أن رفضت البيئة السياسية والاجتماعية في الشرق الليبي محاولاتهم بداية من إعلان الفدرالية من جانب واحد إلى تكوين حكومة برقة والمجلس السياسي لبرقة بقيادة إبراهيم جضران الذي استولى على الموانيء النفطية لمدة قاربت السنتين، وبالتالي لم يستطيعوا أن يشكلوا قوة سياسية وعسكرية ذات وزن، بل ظلوا مجموعات متفرقة بعضها يطالب بالفدرالية وقليل منهم يتحدث عن الانفصال ولا يجدون حاضنة بين قوى المجتمع المدني، فكان وجودهم يتمثل في الجانب الخطابي الموجه إلى القبائل والمناطق أو رفع أعلام إمارة برقة على هامش التجمعات والتظاهرات التي تقام لأسباب غير جهوية كدعم الجيش والشرطة في مواجهة المليشيات والجماعات المتطرفة.

لاشك أن الجهويين يرفضون المليشيات التي كانت تتواجد في الشرق تحت مسميات الدروع وأنصار الشريعة وبقية الكتائب المتطرفة والتكفيرية مما أدى إلى تفجر الصراع مبكرا بينهم وبين هذه المليشيات قبل بداية عملية الكرامة، وبالتالي فقد استهدفتهم هذه المليشيات وناصبتهم العداء وتعرض بعضهم للاعتداءات والتصفيات ولم تكن لهم حاضنة اجتماعية تساعدهم على مواجهة هذه المليشيات. فقد كان المجتمع بقدر ما يكره هذه المليشيات ويتمنى الخلاص منها بقدر ما كانت تستفزه الخطابات الجهوية المتطرفة، ولهذا فلم يكن لهم قبل بمواجهة هذه المليشيات المدعومة من بعض قوى الإسلام السياسي المسيطرة على العاصمة والمتمترسة في مدن كبيرة مثل بنغازي ودرنة، وأمام هذا الانسداد كان ظهور عملية الكرامة بمثابة خشبة النجاة فتمسكوا بها ودعموها رغم أن خطابها كان مفارقا لخطابهم الجهوي، غير أن تطورات الصراع مع المليشيات الإرهابية في الشرق أتى بخصم مناطقي كان الجهويون في الشرق في حاجة إليه لكي يكون لخطابهم مصداقية ولوجودهم معادل موضوعي في غرب ليبيا، فقد تبنت القوى المسيطرة والنافذة في مصراته كل المليشيات الدينية والتشكيلات المسلحة تحت مسمى الثوار وقدمت لها المال والسلاح وجعلت من هذه المدينة حاضنة داعمة لهذه المليشيات ضد الكرامة والجيش لاحقا والذي احتضنته كل مناطق الشرق الليبي بعد أن رأت فيه منقذا من همجية المليشيات الإرهابية التي مارست القتل والتفجيرات والذبح وقطع الرؤوس، ولهذا فإن تبني ودعم واحتضان هذه المليشيات من قبل القوى المسيطرة في مدينة مصراته أثار ردة فعل قوية بين أبناء الشرق الليبي فكان بمثابة تغذية عكسية للخطاب الجهوي الذى وجد معادلا وخصما جهويا يستفزه ويدعم بكل الوسائل حربا تجري في ما يعتبرها عقر داره.

إن ما جرى في الهلال النفطي من هجوم على المنشآت النفطية واحتلال بعضها من قبل من يسمون أنفسهم سرايا تحرير بنغازي

لقد أدت هذه التطورات الجديدة إلى تقوية ساعد الجهويين ومنحتهم حاضنة لم تكن في حسبانهم ورغم أنها قد تكون مؤقته ومرتبطة بأفعال ومواقف القوى المسيطرة في مصراته، إلا أن ذلك أعطاهم حجما لا يمكن تجاهله.
الحقيقة الثانية: وهي تتعلق بالطرف الثاني في الصراع الذى يتبنى أطروحة دولة الثوار الدينية -فلاشك أن الإسلام السياسي بكل أطيافه بداية بتنظيم الأخوان المسلمين ومرورا بحزب العدالة والبناء وانتهاء بالتنظيمات التكفيرية والمتطرفة كلها تحمل أطروحة أممية لا تتوقف عند الحدود والجهويات، ولكن تجربتهم خلال السنوات الست أثبتت لهم أن المجتمع في غالبيته الساحقة يرفضهم وقد اتضح لهم ذلك من خلال التجارب الانتخابية الثلاث التي كان آخرها الانتخابات البرلمانية التي لم يحصلوا فيها على عدد كاف من المقاعد يجعلهم يؤثرون في الحياة السياسية عوضا عن إقامة دولة الثوار الدينية، الأمرالذي جعلهم يختارون الصراع المسلح ويوعزون لأذرعهم المسلحة من المليشيات المتطرفة والتكفيرية للسيطرة على العاصمة وإعلان حكومة أمر واقع ورفض الاعتراف بالبرلمان منتهزين فرصة رفض البرلمان عملية التسليم والاستلام من المؤتمر في العاصمة تحت تأثير التيارالجهوى في البرلمان.

لقد اكتشف الإسلام السياسي أنه قوي بالمليشيات المسلحة ولكنه لا يجد قبولا ولا حاضنة اجتماعية ذات وزن مؤثر في الغرب الليبي وأن كل القوى المدنية في الغرب الليبي رغم تشرذمها، ترفض أطروحات الإسلام السياسي المتعلقة بالسلطة والدولة، وحتى أولئك غير المتحمسين للكرامة والذين يخافون من تغول المؤسسة العسكرية واستلائها على السلطة لا يرضون بالإسلام السياسي كبديل عنها، وأمام هذه الحقيقة وجدت قوى الإسلام السياسي المسيطرة على الغرب الليبي ولاسيما العاصمة، في الجهوية مخرجا من مأزق عدم وجود حاضنة قوية تساندها في صراعها مع الجيش والقوى المساند له، ولهذا فقد حاولت التقارب والتحالف مع أية قوة ذات صبغة مناطقية ولاسيما القوى المسيطرة في مدينة مصراته التي تتميز بولائها للمدينة.

فشاركت قوات البنيان المرصوص في حربها ضد داعش في سرت وعملت قوى الإسلام السياسي بواسطة المليشيات المتطرفة والقليلة التابعة لها في مدينة مصراته على إذكاء الاستقطاب الجهوى بين مصراته والشرق وذلك عن طريق قيام هذه المليشيات المحسوبة على مصراته بالتبني العلني وتقديم كل وسائل الدعم للجماعات الإرهابية التي تقاتل في مدينة بنغازي ودرنة وذلك لتحقيق هدفين أولهما هو استفزاز المشاعر الجهوية في الشرق لتقوية التيار الجهوي في مواجهة الجيش والقوى المدنية المساندة له التي لا تعتبر الحرب على الإرهاب حربا جهوية بل حربا من أجل افتكاك ليبيا من الآيديولوجيا التكفيرية المعادية للدولة المدنية، أما الهدف الثاني فهو توريط مصراته في حرب جهوية تؤدي إلى اصطفاف جهوي على مستوى الغرب والشرق وبذلك يجدون لهم مكانا وحاضنة عندما يتقمصون دور القوة التي تدافع مع غيرها عن إقليم يتعرض لعدوان من إقليم آخر، غير أن تطورات الصراع في ليبيا وتعدد أطرافه وارتباط بعض أجنداته الداخلية بمصالح قوى دولية كبرى وأخرى إقليمية، يجعله عرضة لمفاجآت لم تكن في حسبان الأطراف التي تعتبر نفسها هي التي تتقاسم السيطرة على إدارة مشهد الصراع الداخلي، فقد تقوم القوى الدولية بتوظيف قوة تابعة أوحليفة لأحد أطراف الصراع الرئيسية لتخلق وضعا يبدو ظاهريا في مصلحة الطرف الحليف أوالمتبوع، ولكن تداعياته التالية تؤدي إلى بروز مشهد آخر ينتهي أو يتقلص فيه دور الأطراف التي كانت ظاهريا تتقاسم السيطرة على إدارة مشهد الصراع السابق.

إن ما جرى في الهلال النفطي من هجوم على المنشآت النفطية واحتلال بعضها من قبل من يسمون أنفسهم سرايا تحرير بنغازي، يعد نقلة نوعية مؤثرة على مشهد الصراع وقد تبدو في ظاهرها في مصلحة أحد الأطراف. ولكن ما لم يتم حسم عسكري سريع دون تعريض المنشآت للخطر أو تسوية مقبولة بين الأطراف، فقد تؤدي تداعيات الأحداث إلى اختفاء المشهد السابق وظهور مشهد آخر لحرب جهوية لا يكون فيها للأطراف السابقة سوى دور رديف أو لا يكون لها أدور على الإطلاق.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات