تلبيس وتدليس !؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

من المفارقات التي تصادفني في اللقاءات أو المقابلات التلفزيونية أو كتابات أهل "البلعطة الدينية" أن يأتيك أحدهم ويدعي أنه من أنصار الدولة المدنية!. وسبب العجب، أن الدولة المدنية، كما هو معلوم من شروطها ومرتكزاتها الأساسية، تتعارض بداهة مع ما يدعونه بدولة الخلافة ودولة "شرع الله"!. لأن الإيمان بالحريات هو جوهر أصيل للدولة المدنية.. حرية الرأي والتعبير وحرية (الاعتقاد) أو حرية الضمير ..والأخيرة هذه هي مربط المفارقة.

وكما يقول د. عادل عزيز فإن أي دين لابد أن يحمل فى مضامينه "وجود حقيقة مطلقة تمتلكها مجموعة من الناس، وبالتالي يعتبر الحق مقتصرا على هذه المجموعة؛ إضافة إلى وجود الواجب التبشيري لنشر وتعميم هذه الفكرة بالوسائل المختلفة".

هذه الرؤية الإقصائية المدعية امتلاك الحقيقة المطلقة والتوقيع نيابة عن الله، لا علاقة لها بجوهر الدولة المدنية وقيمة المشاركة واحترام الآخر. "كما أن وجود هرمية إدارية وتبعية لشخصيات مركزية هذه الهرمية والتبعية ملزمة للأفراد، ولذا يتم تهميش المسؤولية الفردية الأخلاقية لحساب التبعية للهرم والمجموعة، وما سبق يقتضي الإيمان المطلق بوجود مرحلة أو جيل نقي أو مرجعية".

كل هذه العوامل تخلق الأرضية لأي فكرة كي تصبح فكرة قاتلة، ولهذا إذا استطعنا أن نفكك هذه العوامل حينها يمكننا أن نقول أن الدين لن يكون أداة هدم وتفتيت، وحينها قد يكون حديثهم عن الدولة المدنية حديثا مقبولا ومنطقيا، أما مجرد المشاغبات الظرفية فلن تخفي حقيقة تاريخ المسلمين المليء بالفجائع الأخلاقية والإنسانية.

إذا أضفنا لكل ما سبق، أن الفقه منظومة بشرية صنعها الفقهاء انطلاقا من القليل من آيات الأحكام تلك التي لا تمثل إلا جزءا ضئيلا من القرآن، هذه المنظومة ورغم كل الخلافات بين المذاهب والآراء الفقهية قائمة على تراتبية اجتماعية عنصرية واضحة، تبدأ بالترتيب، الرجل الحر ثم المرأة الحرة يليها العبد الذكر تليه الأمة والصبي والمجنون.

الحقيقة أن ما يدعونه عن الخلافة إنما يؤسس بلا أدنى شك لدي لحكم الفرد ويشرعن الاستبداد

وكل الأحكام والضوابط فى تلك المنظومة تراعي تلك التراتبية بإخلاص كامل، فهي تتبنى اشتراط الذكورة في كل المسؤوليات العامة وفي الاجتهاد وفي الإفتاء وتنبني على مبدأ قوامة الرجل، وأفضلية المواطن المسلم على المواطن غير المسلم الذي يشاركه العيش على رقعة الأرض ونفس المجتمع.

فهل يمكن أن يكون الفقه، وهو المنظومة القائمة على التمييز، منطلقا لبناء دولة المواطنة والمساواة في ظل دولة حديثة؟. هل يمكن أن أصدق أيا من أهل الوصاية على الدين لو قال لي أنه يهدف إلى إقامة دولة مدنية حديثة؟.

إن حديث الدولة المدنية بمرجعية دينية في تقديري ليس إلا تدليسا وتلبيسا وتلفيقا غير منطقي. ولطالما سألت كيف يُقبل منطقيا حكم الخليفة الفرد، ووجوب طاعته المطلقة مع منطق الدولة المدنية فى المشاركة واحترام الآخر؟.

وكيف يقبل منهم جواز الإمامة الكبرى بالتغلب! والحقيقة التي أثبتتها الأحداث أنها كيانات سلمية المظهر، عنفية إرهابية فى الجوهر إذا أتيحت لها الظروف لممارسة العنف والإرهاب. السؤال الذي يجب أن تجيب عليه تلك الجماعات هو ما رأيهم في حديث منسوب للرسول عليه السلام في البخاري: "أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنّ لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم".

وإذا أقروا بصحة ذلك الحديث؛ يكون السؤال التالي، هل هذا الحديث يتماشى ويتواءم مع الدولة المدنية و يصلح مرتكزا لها؟. هل من واجب الدولة المدنية إكراه الناس على التدين بأي دين؟ وهل نكذبهم أو نرد عليهم الحديث وهل يمكنهم تكذيبه؟.

هل نذكرهم بحادثة وفد تميم الذى جاء للتفاخر، وأنهم "خير أهل الأرض وأكثرهم سلاحـا" وأنّ الرسول قال لثابت بن قيس الأنصاري (وكان خطيب النبي) قم فأجبه فقال "نحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أنّ لا إله إلا الله، فمن قالها منع منا نفسه وماله، ومن أباها قاتلناه" ثم طلب الرسول من حسان بن ثابت أنْ يـُـكمل ما بدأه ثابت بن قيس.

وهل نذكرهم أيضا بما ذكره الماوردي في الأحكام السلطانية عن حديث الرسول "من أطاعنى فقد أطاع الله. ومن أطاع أميري فقد أطاعني... ومن عصاني فقد عصى الله.... ومن عصى أميري فقد عصاني"!!

هل هذا الحديث يصلح مرتكزا للدولة (المدنية)؟. أم هو أحد ركائز الدولة (الدينية) طوال تاريخنا؟ تلك هي الحقيقة بلا مواربة ولا تدليس. فليقولوها صريحة بلا تقية لكي يعرف الناس أي مسار ستمضي إليه حياتهم تحت وهم "دولة الخلافة المدنية الإسلامية".

الحقيقة أن ما يدعونه عن الخلافة إنما يؤسس بلا أدنى شك لدي لحكم الفرد ويشرعن الاستبداد، تلك الآفة التي نعاني منها منذ قرون وقد حان وقت الاعتراف والمكاشفة

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات