الغضب.. وما وراءه

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

عبّرت جملة "انظر وراءك في غضب"عنوان مسرحية الكاتب جون أوزبورن عام 1959 عن المشاعر الغاضبة لجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، وموقفه المناهض للمؤسسات الاجتماعية والسياسية الحاكمة، التي مثلتها الحكومة العمالية البريطانية بأن أعطت عام 1945 وعوداً براقة للطبقة العاملة، إلا أنها أخفقت في تخليصها من الاستلابات والظروف الطبقية التي ترهقها.

الأمر نفسه تقريباً يتكرّر في الأزمة المالية 2008 ـــ2009، تنقذ الحكومة بورصة "وول ستريت" من الإفلاس على حساب المواطن الأميركي. فتنحرف الرأسمالية من جديد عن مسارها، الأمر الذي يدعو إلى إنقاذها من نفسها. ولهذه المهمّة يتصدّى اليوم مستشار الرئيس دونالد ترُمب في مجلس الأمن القومي الأميركي ستيف بانون الذي تماهي نظراته الحانقة على "النخبة المعولمة" حملقة رتشارد بيرتون ممثل دور جيمي بورتر في المسرحية الواقعية الغاضبة.

تسبب صدور كتاب لينين "الدولة والثورة"، في ذعر الماركسيين الأرثوذكسيين ، وحاز على تقدير" الأناركيين"

يُكيل الشعبويون الممثلون اليوم في "حركة الشايT.B.M" المعارضة منذ عام 2009 لسياسات الكونغرس الاقتصادية كميةً من الغضب، و العداء للدولة، التي تقودها في رأيهم نخبة سياسية متعجرفة تحابي الملحدين والمثقفين والأقليات، ولكنهم يؤمنون في الوقت ذاته بأن للحكومة دورًا تلعبه في تيسير عيش المواطن ورفاهته. على النقيض من ذلك يعتبر الشعبويون الراديكاليون أن الدولة في جوهرها هي التهديد الرئيسي لحريّتهم ونمط حياتهم، ويطمحون إلى أن يكونوا أحراراً قدر الإمكان من نفوذها المُفسِد. ولهذا لا يعُدُّ ستيف بانون نفسه "قومياً أمريكياً" ولا "شعبوياً" كما يُظنّ به لصلته بالحملة الانتقادية الذي شنتها حركة الشاي على إدارة الرئيس باراك أوباما الديمقراطية، بل يعترف للكاتب رونالد رادوش بأن منهجه السياسي يحذو طرائق لينين، الذي كتب مميزاً الثوريين عن الإصلاحيين بإيمانهم بالثورة العنيفة المطلوبة كضرورة لتحطيم الرأسمالية ووضع آلة الدولة في يدّ البروليتاريا.

على العكس من اليسار الجديد، الذي ساهم نقده الثقافي في تشكيل شعبوية الستينيات والسبعينيات، يركز شعبويو اليسار الذين يتماهى ستيف بانون بخطابهم الراديكالي في صعودهم الحالي على المسائل الاقتصادية، وعلى العكس من نظرائهم في صفّ اليمين، الذين يستند خطابهم على تهديدات مبالغ فيها أو مُفبركة، يركز اليساريون على المشاكل الحقيقية على الأرض: فساد الحكومات والشركات، والتفاوت الاقتصادي المتزايد، وتراجع التطوّر الاجتماعي، وركود مستويات المعيشة، وهو ماتجلى في احتجاجات حركة "احتلال وول ستريت occupy wall street " التي التحمت مع الـ "99%" من الناس القابعين تحت سطوةالـ 01 % في صراعهم ضدّ أصحاب الثراء الفاحش.

تسبب صدور كتاب لينين "الدولة والثورة"، في ذعر الماركسيين الأرثوذكسيين ، وحاز على تقدير" الأناركيين" رغم وصفه لتصورّهم الفوضوي بإلغاء الدولة بالمشوّش وغير الثوري. كما خالفهم مدركاً بحدسه العملي أن الاشتراكيين لا يمكنهم أن يسيطروا على الدولة من داخلها، مستخدمين نفس مؤسساتها القائمة، بما فيها البرلمان الذي وصفه بـ "الحظيرة"، والذي تقرّر فيه الجماهير بإرادتها: من من أعضاء الطبقة الحاكمة الذي يقمعها ويقوم بتحطيمها؟.

فوضوية بانون وإن تمظهرت في الأساليب "اللينينية" فهي موّظفة في خدمة أهداف "حزب الشاي" الشعبوية. التي تُعدُّ انعكاساً لحملة دونالد ترُمب المتوافقة مع أهوائه مترشّحا للانتخابات، ورئيساً والتي يسعى من خلالها دائباً إلى تدمير ليس فقط الديمقراطيين غرمائه بل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه وقياداته المحافظة، وهو مايدفع الكاتب ديفيد بروكس في مقاله بترجمة الشرق الأوسط عن النيويورك تايمز إلى إدراج هذه الفعالية الغاضبة ضمن الحركات المناهضة لما يسميّه ستيف بانون "دولة الإدارة"المكوّنة من المنظمات متعددة الأطراف والأنظمة التي تحكمها القواعد، والقائمة على السياسات الديمقراطية التي تتوّخى حلول الوسط غير المرتبة، وبموازة السعي إلى تفكيك "دولة الإدارة"، هناك تعزيز لدولة موازية تُحكم قبضتها في إجراءات الشرطة، والتنفيذ المتعسّف لقوانين الهجرة، وتدّخل السُلط التنفيذية في أجهزة التقصي والتحقيق، وترهيب الشركات الخاصة والإعلام الذي يخالف إرادة رئيس الدولة.

مشروع بانون كونه داعياً لـلأفكار القومية المؤمنة بتفوق العرق الأبيض لحركة "اليمين البديل" لايعدو أن يكون سوى انعطافة إلى نفي الفارق بين الدولة والمجتمع

مشروع بانون، كونه داعياً لـلأفكار القومية المؤمنة بتفوق العرق الأبيض لحركة "اليمين البديل"، لايعدو أن يكون سوى انعطافة إلى نفي الفارق بين الدولة والمجتمع، فيما عناه الديماغوجي كارل شميت بـ "الدولة الكلّية" التي يتوّجب عليها أن تكون قادرةً على الاستحواذ على تقنيات السلطة الجديدة، والخضوع المباشر لحكم رجل قوي يرون فيه تجسيداً لإرادة الناس البسطاء وميولهم السائبة في النزوعات النوعية والطاقة الغريزية، وهو ماينصرف بأذهاننا وبشكل مباشر إلى الدولة التوتاليتارية "الشمولية"التي لا تسمح بوجود قوى مُعادية ومُعيقة للحركة في داخلها، وأن تكون قادرة على التمييز بوضوح بين الأعداء والحلفاء.

الرئيس ترمب، بالنسبة إلى بانون، لا يمثل الحل الحقيقي، إنه ليس سوى خطوة بداية في تمرّدٍ سيزداد عدائية على مدار السنوات القادمة، منذراً بما سيأتي في النهاية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات