(بكبوكي) سياسي!

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

"بكبوكي" تسمية محلية لإحدى الأكلات الأكثر شعبية في ليبيا "المبكبكة"، وكل من يعرف المطبخ الليبى من المؤكد أنه يعرفها، والاسم نفسه أظنه وصف للصوت الذي يترافق مع غليان القدر واقتراب النضج للأكلة اللذيذة "المبكبكة"، وذهب ظنى إلى أنه يتشابه مع المشهد السياسي الليبي الذي ينتظر الاستواء واقتراب الحل.

وقد اختير العنوان لعلاقة الحديث عن المطبخ الغذائي بما يسمى بالمطبخ السياسي؛ تلك العبارة المتداولة التي تعني أن هناك "طاقما" يدير السياسة ويصنع توجهاتها. يفترض أن المطبخ السياسي يملك الكثير من حرفية ومهنية أي (شيف مطبخ) متميز. أي ذلك الذي يقال عنه أنه يصنع من "الفسيخ شربات"، كما يقول أخوتنا في مصر.

والمطبخ السياسي مكون من أقسام عديدة. الرئيس ثم الإدارات العديدة والخبراء فى مختلف المجالات، وأخيرا يأتي دور الكومبارس الذي ينفذ توجيهات الإدارة ويمتاز بالمقدرة على إخراج الأخبار أو الصور أو الفيديوهات سواء كانت حقيقية أو "تركيب". إضافة إلى تأليف الإشاعات والموضوعات التي تأخذ بعقول الناس حينا من الوقت حسب التعليمات الفوقية؛ تماما كما يحرص "شيف المطبخ " الغذائي على الاهتمام والعناية بطريقة تقديم الوجبات لأجل فتح شهية الزبائن، ولأن السياسة ليست منظومة قيمية أو مجموعة من المبادئ المثالية لنحتكم إليها، ولكن تحركها المصالح التي تحدد اتجاهات التحرك بما يخدم مصلحة طرف ما في مرحلة ما من العمل، لذلك فإن الكل يوظف ما بيده من أوراق بنباهة وحنكة سياسية لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة، ومع تطور الحياة برز كومبارس جديد ووسائل جديدة للترغيب والتسويق تمثله الجيوش الألكترونية ووسائل الإعلام التي باتت تحدد مسار الناس بدرجة كبيرة، وهذا أمر طبيعي جداً.

ويحدث شيء مشابه له فى المطبخ الغذائي حيث الاعتماد على البهارات لتحبيب الأكل وإعطاء النكهة المطلوبة. يعتمد المطبخ السياسي أيضا على أخبار وتقارير مفبركة وكلام مشافهة وكذب وهمس وتلميح وقراءة أفكار ونوايا وبالونات اختبار؛ لتحقيق الغرض المطلوب بحيث يصبح المناخ ضبابيا ومشوها أو ورديا جميلا، المهم أن يؤدي الغرض المطلوب.

كأن تقابل شخصا يدعي التدين "شكليا" وهو نصاب كذوب!. أو يدعي التمدن والحداثة وهو جهوي حتى النخاع

نعود إلى "البكبوكي" سيدة المشهد الغذائي فى ليبيا، ونأتي إلى شيء من المقاربة، فكما هناك تنوع فى مطبخ الأكل هناك تنوع في المطبخ السياسي شخوصا ووقائع، وهو ما خطر لى، حيث نجد أن هناك أحداثا مشتركة بين ما يتم في المطبخ وفي السياسة.

"فهناك من يحترق سياسيا كما احتراق الأكل، وهناك أكل ناضح وهناك نصف استواء (نص طياب)، وكذلك في السياسة هناك نصف موقف ونصف سياسي!.

وهناك لحم عجوز "شارف" يصعب إنضاجه وهناك من يسهل إنضاجه!. كذلك فى السياسة هناك من يمتلك المرونة الفكرية ومنفتح على كل الآراء والأفكار وهناك من يسير وفقا لمقولة "معزة ولو طارت". وهناك طعام رائحته طيبة وهناك من تفوح منه رائحة مثل رائحة الجبنة الزرقاء العفنة روكفورد!. وهناك طعام لذيذ وطعام "بايت"حامض ليس أمامك إﻻ إلقاؤه فى صفيحة القمامة وكذلك فى شخوص السياسة، حيث تواجه أشخاصا فى المشهد السياسي يستحقون ما يصيب الأكل "البايت" الحامض!. حاشاكم.

وهناك طعام ﻻ تعرف مكوناته "كاﻷكل الصينى"؟. قد يعجبك للوهلة الأولى ولكن لوعرفت مكوناته ضاع إعجابك ولعنت من اقترحه عليك؟. ومثله يحدث فى شخوص المشهد السياسي، قد يبدو أحدهم شخصية مناسبة لموقع ما، ولكن بالتجربة يتضح عكس ذلك وتلعن اليوم الذي قمت بترشيحه أو تزكيته.

نأتي لمقاربة أخرى تقول أن "المبكبكة" نموذج للتنوع والتعددية.. حيث نجد أن هناك عدة طرق لإعدادها وتحضيرها وبها تنوع كبير في مكوناتها ..بـ "القديد"، أي اللحم المجفف، أو بلحم الخروف أو صغير الجمل أو الدجاج أو الأرانب أو السمك أو"السي فوود"..إلخ. وكذلك يحدث فى المشهد السياسي.

فالتنوع والتعددية أمر بديهى في الحياة بشكل عام والأحادية المنغلقة سبب مهم لجعل الحياة قاسية ومملة. وكذلك المداومة على أكل واحد وبطريقة واحدة أمر ممل وغير مستحب. تماما كنظام الحزب الواحد الدكتاتوري.

وكما للمكرونة أنواع عديدة (البينا والسباغيتي والفوتوشينى والرافيولى والفوزيلى..إلخ). كذلك فى عالم السياسة اليسار واليمين والوسط ويسار الوسط ويمين الوسط..إلخ.

وكذلك ينسحب أمر تنوع "البكبوكي" على مجتمعنا الذي يزخر بالتنوع تماما كأنواع المكرونة، فنجد الأمازيغي والتارقي والتباوي ومن هو من أصول تركية وكريتلية وأرناؤوطا وألبانَ وتركمانَ إلخ. مجتمع به مسحة من التمدن والحداثة نعم، ولكنه لازال (نصف طياب)، حيث على مستوى الأفراد والأفكار نجد أن العقل الجمعي متنوع الفهوم والقناعات، فالكثير منا لازال غارقا في مستنقع الوهم والماضي، أسيرا للأفكار التقليدية ومنا دون ذلك ومنا ما بين المنزلتين وهكذا، وهو ما انعكس واقعيا من خلال ظهور الكثيرمن الاختلاف والتصادم فى حياتنا وفي مشهدنا السياسي.

لأننا تناسينا فضيلة التعددية، والمشكلة تكمن في أن كل التنوع قائم على قاعدة الـ (نص طياب)!.

كأن تقابل شخصا يدعي التدين "شكليا" وهو نصاب كذوب!. أو يدعي التمدن والحداثة وهو جهوي حتى النخاع. وكما يحدث للمكرونة "المبكبكة" أحيانا تكون بها زيادة أو نقصان ملح وأحيانا تكون قليلة الإيدام وأخرى شحيحة معجونة. ملتصقة أو مفرودة. "حارة سبايسى" أوباردة؛ سنجد حتما في واقعنا المعاش نقصان وعي وقلة علم وشح معرفة وحماسةً قاتلة وفتورا قاتلا.

واقع الأمر أن الذي يجمع معظمهم هو قاعدة (النص طياب) /اأنا المتضخمة/ والبحث عن المكاسب/.. ﻻ فكر وﻻ آيديولوجيا وﻻ أخلاق/؛ شيزوفرينيا باقية وتتمدد.. مع الإقرار بأنه لا علاقة هنا ( للبكبوكى ) بكل تلك العيوب والمثالب.

أنا أحب الـ"بكبوكي".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات