تويتر وتبعتُه ترُمب

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

استخدام الرئيس الأميركي دونالد ترُمب تويتر فضاءً موازيا للميديا فيما يصرّح به من ادعاءات وتهجّمات، جعل الكل يبحث اليوم في الدور الذي تلعبه لغة التوصيل الأُحادي في تشكيل السياسات والتوجهات، وبناء المعتقدات والأفكار، وصياغة الأفعال والسلوكيات، بل تبريرها والتنصل من تبعاتها.

جورج أورويل من أوائل من كتبوا عن الدوافع التي تُلجيء اللغة السياسية إلى أن تُلبس الأكاذيب ثوب الحقائق بغرض الدفاع عن سياسات لا يمكن الدفاع عنها أو تبريرها في الواقع، كالسياسة المضادة للهجرة التي ينتهجها الرئيس ترُمب، وهو مايدفع النظم السياسية المُصدرة لهذه السياسات للترويج للغة الفاسدة المضلِّلة، ودعمها حتى تُصبح مهيمنة ومسيطرة، في السياق القيمي الذي تطلقه اليوم شبكات التواصل الاجتماعي ونظم الحسابات الشبكية التي تطوّق روّادها بـ "فقاعة معرفية" تزيد من ميل الناس إلى تشكيل آرائهم وقناعاتهم، بناء على المشاعر، أكثر من الحقائق، في ما يتعلق بالشؤون السياسية والعامة.

فيما دعاه المفكر الأميركـــي رالف كييـــس بـعالم "ما بعد الحقيقة Post- truth" يوضّب السياسي الوقائع حسب هواه، فبعد التصريح في19.02.2017 الذي ألمح فيه الرئيس دونالد ترُمب إلى أن دولة السويد كانت قبل يومين هدفا لهجوم إرهابي، يأتي التغريد على توتير لتبريرهذا التصريح المتفلّت أمام استنكار الرأي العام السويدي، الذي دفع الرئيس ترمب إلى التهرّب من المسؤولية بإلقاء التبعة على شبكة "فوكس نيوز" التي بثت برنامجاً حول قضية المهاجرين ومشاكلهم في السويد. بينما الوقائع التي بثتها الشبكة التلفزيونية وبنى عليها الرئيس ترُمب مختلقاته، رصدت فقط تصاعد أعمال عنف، وحالات اغتصاب، رافقت تدفّق المهاجرين إلى هذا البلد الأسكندنافي الذي ميّزت سياسته بخصوص الهجرة المهنية والاعتدال.

بقى اللافت هذه المرّة في إعلان الرئيس ترُمب عن حدث إرهابي موهوم ضرب دولة السويد وتبريره أن التباس الحدود بين الحقيقي والخيالي

الفيلسوف الأميركي هاري ج. فرانكفُورت يميّز بين الكاذب الذي ينتهك الحقيقة وهو على يقين من وجودها وبين من أسماه بـ "محترف الهُراء "الذي يضيع في بحر أكاذيبه، فلم يعد يعي حدود نهاية الحقيقة وبداية الأكاذيب. فالمجلس السويدى الوطنى للدفاع، الذي تقوم وظيفته الأمنية على مبدأ تحرّي الحقيقة لرسم السياسة الأمنية يرّد على مختلقات الرئيس ترُمب بأن مارصدته الـ "فوكس نيوز"هو دمجٌ خاطيء، بين العنف المرتبط بتجارة المخدرات فى المدن السويدية، وبين تصاعد وتيرة الجرائم التى يرتكبها اللاجئون.

للوصول إلى هدفه بغرض السعي إلى النفاد بمصالحه يندّد السياسي كـ "محترف هراء" بـ "فساد النظام" وتلفه، فالرئيس ترُمب اُنتخب ليس لكونه ديماغوجيًا فقط، بل لأنه كشف للعامّة بعضاً من عيوب الليبرالية المجدّدة، وأمراض النظام الاقتصادي الأميركي الراهن، وفي الوقت الذي ركّز الخطاب الليبرالي المنافس على حقوق الأقليات والمهاجرين، ركّز ترُمب خطابه على انشغالات الأميركي ممثّل الطبقة الوسطى أوالأغلبية المحرومة التي أهملها النظام مما أولد ماسمّي بالطبقة الصدئة التي تميل في عمومها إلى تصديق التعليل السطحي الملموس في وضوحه بأن تراجع الحالة الاقتصادية في أميركا والغرب سببه اللاجئون والأجانب، وأن طرحاً مُبسّطاً للمشكلة الأمنية برميّ المسلم مُسبقاً بوصمة الإرهاب، يكون تعويضاً ملائماً لتحليل معقّد لظاهرة الإرهاب القاعدي الإسلامي.

موضوعة فرانكفُورت الفكرية تكشف أخطار التشذّر والتفكك في المجتمعات الديمقراطية التي تختلط فيها الحدود بين الأشياء والكلمات بين الوقائع والأكاذيب. فـالمجتمع الديمقراطي يخسر أسسه عندما يغيب فيه الإجماع على معنى الكلمات وحقيقة الوقائع، ويُسمح فيه للسياسي أن يبث مختلقات خياله بحسبانها وقائع، فثقة الناس تهتز بشعورهم أن الممسكين بمقاليد الحياة الاجتماعية والسياسية يغشّون وينشرون معلومات كاذبة لتعزيز مصالحهم ومواقعهم.

يبقى اللافت هذه المرّة في إعلان الرئيس ترُمب عن حدث إرهابي موهوم ضرب دولة السويد وتبريره أن التباس الحدود بين الحقيقي والخيالي، وبين النزاهة وغيابها، وبين الخيال والواقع الفعلي، قد تجاوز الحيز الغامض والملتبس لمسرح المعارك السياسية والانتخابية بين الأحزاب والمؤسسات في البلدان الديمقراطية، ليمّس باضطرابه وفوضاه العلاقات البينية بين البلدان الغربية ذاتها.

من يتساءل عن علاقة مقالي بليبيا، فليرجع بذاكرته إلى ثمانينيّات القرن الـ20 حيث توحّدت نشرة أخبار التلفزيون الوحيد بانفراد إرادة الدكتاتور بتلفيق الحقائق بالأكاذيب ورمي بلدان الغرب المُعادي بالتوهمات كالصراع على السلطة الذي يعصف بالحكومات، والاضطرابات والإضرابات التي تحيق بالمجتمعات، وإن لم يجد فالعواصف والحرائق والزلازل والبراكين.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات