"ليبدأ البناء حيثما أمكن" ؟

نورالدين السيد الثلثي |
نورالدين السيد الثلثي

في ظل اختلاف أطراف وتطوّرات ومُخرجات الصراعات الدائرة في ليبيا منذ سنة 2011، تتشكّل أمامنا صورٌ لظروفٍ جديدة تختلف من منطقة (بالمعنى الواسع للكلمة وليس بمفهومها التاريخي ضرورةً) وأخرى. وفي هذا الوضع، نجد الجهود الجارية لحلّ الأزمة الليبية تصبّ في محاولات تبدأ "الحلَّ" من أعلى هرم السلطة، انطلاقاً من توافق المتناقضِين والمختلِفين في مُنطلقاتهم ورؤاهم الفكرية والمذهبية والسياسية، وعصبياتهم الجهوية والمحلية، وانتماءاتِهم الخارجية غيرِ الخافية. وقد فشل هذا التوجّه المتمثّل بدرجة فاقعة في الاتفاق السياسي والمجلس الرئاسي المنبثق عن الإرادة الدولية تحت عنوانه. المعطيات أمامنا تدعو إلى النظر في واقع الأحوال المتحرّكة والمستجدة في المناطق والمدن، بل تفرض مثل هذه المقاربة فرضاً.

انتشار الفوضى واستسهال العدوان على النفس والعرض والمال والإفلات من العقاب، حالةٌ تُرتّب مسؤولياتٍ كبرى على السلطات الرسمية- بالشكل الذي توجد به- والقياداتِ المجتمعية والمعنوية. وكذلك يكون الأمر عندما يخطو المجتمع خطواتِه الأولى نحو الأمن والاستقرار. على القائمين بالأمر عند ذلك الإسراع في خلق البيئة المناسبة لإعادة بناء المؤسسات وإنفاذ القانون وإطلاق البرامج والمبادرات لتهدئة النفوس وبث الطمأنينة وترسيخ الشعور بالتغيير نحو الأفضل. وينبغي أن يظهر على الأرض ما يعزّز الثقة في التغيير الجاري. والعمل في هذا الاتجاه ينبغي أن يبدأ من دون تأخير في كل منطقة أو مدينة تتهيّأ فيها الظروف الملائمة.

ليس هناك ما يبرّر انتظار منطقة أو مدينة- مثل بنغازي وغيرها- انتهاءَ الصراعات في سائر المناطق والمدن لكي تبدأ مسيرة العودة إلى الحياة الطبيعية وإنفاذ القانون

ليس هناك ما يبرّر انتظار منطقة أو مدينة- مثل بنغازي وغيرها- انتهاءَ الصراعات في سائر المناطق والمدن لكي تبدأ مسيرة العودة إلى الحياة الطبيعية وإنفاذ القانون. بل على العكس من ذلك، سيكون في تعافي جزءٍ من الوطن انعكاسه الإيجابي على تسريع خطوات تعافي أجزائه الأخرى. سيكون من الأهمية بمكان، بعد سنواتٍ من الفوضى وسطوة الإرهاب والقتل والهدم، التوجّهُ نحو البناء من دون تأخير. والبناء في هذه الحالة عديد الجوانب؛ لا تُغني العناية بأحدِها عن الآخر. من هذه الجوانب:

- فرض القانون بكل الأدوات الرسمية المتاحة من أجهزة أمنية وعسكرية وقضائية، وبصرامة واضحةٍ للعيان، بغية تأمين المواطن على نفسه وممتلكاته، وحماية مؤسسات الدولة ومرافقها، وظهور كل ذلك ناجزاً واضحاً أمام الجميع.
- حلّ التنظيمات المسلحة خارج المؤسستين العسكرية والشُّرَطية، وسحب السلاح وتجريم وملاحقة حامليه خارج القانون من دون هوادة.
- المصالحة مع المختلفين في الفكر أو الانتماء الحزبيّ أو المذهبي، وفتح الأبواب أمام النازحين والمهجَّرين مرحَّباً بهم، وإعادة ممتلكاتهم وتأمينهم على حياتهم ودَوْرهم في المجتمع مواطنين كِراماً متساوين مع الجميع في الحقوق والواجبات.
دفع المظالم ودعاوى العدوان محلُّها المساعي العرفية والعفو وساحات القضاء، ومن دون تهاونٍ مع من يلجأ لاستيفاء الحق بالذات.
- إعادة إطلاق عجلة الاقتصاد بدءاً بمراجعة البرامج التنموية المتوقفة وإعادة تفعيلها، وإطلاق برامج لتشجيع الاستثمار وانطلاق المشروعات الخدمية والإنتاجية الصغرى والمتوسطة على وجه الخصوص.
- مكافحة الفساد، بإنفاذ القانون وإبعاد الوجوه التي تشوبها شائبة فساد عن صدارة المستويات العليا من السلطة، واعتبار القدوة في الأمانة والنزاهة في قيادات العمل في مختلف الميادين.
تمرّ المناطق الليبية، كما سلفت الإشارة، بمراحل مختلفة من الثورة والتحوّل العنيف. ولكن بعض المناطق دخلت فعلاً مرحلةً من الأمن والاستقرار لا مبرّرَ أو مسوِّغَ لهدْر مزيدٍ من الوقت فيها، فليكن التحوّل نحو البناء في منطقةٍ أينما كانت حافزاً مسرِّعاً للتحول في كلّ المناطق.

ولعل الجهود الدولية تلتفت إلى تقديم العون من مساعدةٍ وتدريب وتجهيز لازم على المستويات المحلية في ضوء توفر الأمن والاستقرار فيها، وليس من منظور فرض نظامٍ سياسي وتمكين أطرافٍ بعينها من الحكم؛ ذلك يكون باختيار الليبيين أنفسهم متى خمد الصراع وتوفر المناخ المناسب. إن ما حلّ بليبيا من خراب لم يكن فقط بأيدي الليبيين أنفسهم، ولكن أيضاً- وباعتراف الدول- نتيجة إهمال مجموعة الدول التي كان تدخّلها حاسماً في إسقاط النظام ونشوء الفوضى العاتية بعده.

لذلك يحقّ لليبيين أن يتطلعوا إلى تلك الدول ذاتها بأن تدعم إعادة الإعمار في مجالات الاستثمار والتمويل والإدارة والتدريب وغيرها حيثما توفّرت الظروف الملائمة. وقد تكفّر دولٌ ’شقيقة‘عن سيئات تأجيجها للصراع تمويلاً وتسليحاً حائلةً دون قيام الدولة ومؤسساتها، بأن تُساهم في تمويل البناء والنماء بدلاً من الهدم والخراب؛ وفي ذلك، جَزْماً، رجعٌ بعيد. ليس فيما سلف تَرفٌ أوإسرافٌ في التمنّي. ذلك ممكن متى وُجدت الإرادة الوطنية أولاً وتعاملٌ مع الأطراف الدولية غايته تحقيق المصالح الوطنية لا الفردية أو الفئوية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات