17فبراير.. التاريخ يمضي ولا يعود

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

لفظ «فبراير» ليس انتماءً لشهر من أشهر السنة، ولكنه انتماء لحتمية التغيير الذي حدث في ذاك الشهر وكان حدثاً حتمياً وضرورياً..

إذ ليس صحيحاً أن الحفاظ على وضع ما هو الضمانة للاستقرار، وأن التغيير هو المحرك للاضطراب، بل إن التغيير سنة كونية، وما لم يسع إليه الناس بإرادتهم ووعيهم واختيارهم، فإنه يقع بسبب أحوال ذاتية منبعثة منهم، أو بسبب متغيرات خارجية قريبة أو بعيدة تفعل فعلها الذي لا يملك الناس إزاءه إلا الاستسلام له ثم يتبادلون العتب والملام؛ لماذا لا نقوم بما يجب علينا القيام به..

نحن دائماً نعول كثيراً على العوامل الخارجية سواء القادمة من الغيب أم من عالم الشهادة ولا نعترف ونتحمل المسؤولية بأننا مسؤولون عن صنع واقعنا.

اليوم في ذكرى ثورة فبراير...
ﻻ زال فبراير الأمل في مستقبل أفضل يراودنا، وليس فبراير الفوضى والإرهاب وما آلت إليه الأوضاع من الديكتاتورية والفاشية الدينية والدواعش!، والحقيقة أن واقع الحال يقول إن الثورة حتى الآن كانت سياسية (أي ضد نظام الحكم الذي كان يحكمنا)، ولكنها ليست ثورة فكرية بعد، إذ لم نزل نفكر في أغلبنا بنفس الطريقة القديمة.

وفي يقيني
عندما تكون ثائراً ضد ظلم نظام سياسي مشوه، فهذا لا يعني القبول بأن تستبدله بظلم أكبر منه كظلم حركات تكفيرية إقصائية برزت في المشهد السياسي أو تعود إلى الحنين إلى ديكتاتورية سابقة!

ولنتذكر دائماً أنه ما من ديكتاتورية سقطت إلا وأعقبتها مرحلة مخاض عسير مليء بالفوضى وسوء الحال، المسألة متعلقة بدوافع وأسباب كثيرة ولا علاقة للحرية والديمقراطية بالواقع المعاش.. والأمر في نهايته يعود إلى الناس في سرعة التعافي من الفوضى وعدم التوازن..

أما العودة لحلم «البطل المخلص» فهو عودة لنقطة الصفر واجترار للماضي ودوران في نفس الحلقة المفرغة من الاستبداد، أنا على يقين بأن الليبيين ﻻ يطيقون أي أحد يزايد عليهم في دينهم، وعلى قناعة تامة بأن المزاج العام في ليبيا مزاج منفتح على منجز الحضارة الإنسانية، وإن صح استخدام المصطلح سأقول «ليبراليون بالفطرة» وأعرف أن كل الكذب والتدليس الذي مارسه أهل الوصاية على الدين قد ظهر وانكشف وتبينت مآربهم ليس في ليبيا بل في المنطقة العربية إجماﻻً، ومتيقن أن هوجة الأسلمة في انحسار ولم يبق أمامها إﻻ انتهاج أسلوب «القاعدة» و«داعش» لكي تبقى في المشهد.. أو يعيدوا فك وتركيب عميق فيما يطرحونه من حشو الكلام!

التاريخ يحدثنا أن منظومة الاستبداد الديني أشد فتكاً وقسوة ودموية

وأذكر هنا... ما دمنا متيقنين بأننا لا نؤمن بتطرفهم وإرهابهم وفهومهم.. فذلك يجب أن يرسخ لدينا قناعة مفادها بأن الظلم والاستبداد منظومة واحدة وإن كان بوجوه متعددة!

فالتاريخ يحدثنا أن منظومة الاستبداد الديني أشد فتكاً وقسوة ودموية، دونما تجاهل بأن ما سبق من استبداد لا يصح أن يصبح أمراً مقبوﻻً أبداً لو كنا صادقين مع أنفسنا ومخلصين لما نعتقد من مبادئ، فحتماً سنرى المشهد أكثر وضوحاً وسيبقى مطلبنا الدائم هو الحرية.

أسجل هنا وفي ذكرى فبراير أنني اتفق مع ما كتبه الإعلامي أحمد الفيتوري، بأن «ما حدث من 15/2/2011 وحتى19 مارس 2011 كان ثورة، أُسقط خلالها النظام في ثلثي البلاد، وخرج جزء كبير من رجال النظام عنه خلال هذه الفترة الوجيزة، بل يمكن التأكيد أن النظام سقط ولم يتبق منه سوى خيال مآتة، وما حدث كان إنجازاً تاريخياً».

أما ما حدث بعد ذلك من مساعدة عربية ودولية فقد كان أمراً ﻻزماً وضرورياً لإنهاء ما تم تحقيقه سلمياً، فالعالم أصبح قرية صغيرة ومفردات السيادة وما إليها تجاوزها واقع العولمة، فبراير كانت ثورة رغم أنه تم تدشين انتصارها بخطاب التحرير «الساذج» بفعل ضغوط المتأسلمين، وكان يفترض أن نبدأ في بناء دولتنا الحديثة.. ولكن جرت الرياح بما ﻻ تشتهي السفن، إذ بعد انتصار الثورة وفي غمرة نشوة الناس بالنصر تقدم المشهد «الإسلام السياسي» بمختلف مشاربه لتكوين سلطة الأمر الواقع بدعم إقليمي واضح ودولي مستتر.... ودخلت البلاد في دائرة العنف والإرهاب الذي بدأ معنوياً في البداية بالتخويف والترهيب، وتحول إلى الخطف والقتل والذبح بعد فشلهم في كل الاستحقاقات اﻻنتخابية.

في خضم الصراع.. وبعد كل المأسي والجرائم والدمار، ظهرت في الأفق مفردات تتأرجح بين الشماتة في فبراير ومدح للنظام القديم على استحياء.. ومع ازدياد المشهد بؤساً وقتامة ودموية تحول اﻻستحياء إلى التحسر على الأيام الخوالي «ما أبهاك يا مرأة بوي الأولى»!

تلك الدعوة «المشبوهة» كانت لها حسنتها وهي أنها دفعت الناس لمراجعة مواقفهم وتخلى الكثيرون عن مفردات كان لها رنينها ومغزاها وروج لها الإقصائيون مثل.. «طحالب وأزﻻم... إلخ» وتعالت أصوات الدعوة إلى المصالحة والتسامح، وكان ذلك توجهاً صائباً.. واﻷمر ولا شك يتعلق بقناعات الإنسان سابقاً وحاضراً، وﻻ شك أن روح التشفي واﻻنتقام لا يمكن أن تبنى بها الدول... لقد اظهرت الأيام أن الإمعان في الإقصاء أمر مجحف ومجافٍ لحق المواطنة التي ننشدها لتتحقق العدالة اﻻنتقالية.. فلسنا مخولين بتوزيع صكوك الوطنية!

فالحقيقة التي لا مراء فيها أنه كان هناك من يؤدي عمله داخل المنظومة السابقة بمهنية دون أن يرتكب ما يستحق عليه المحاسبة والإقصاء، ولذا كان تحقيق العدالة والمحاسبة بعيداً عن التشفي واﻻنتقام مطلباً لكل العقلاء

وأخيراً
أود أن أشير إلى أن محاولة البعض العودة للظهور في المشهد السياسي بنفس شخوص ومفردات النظام الديكتاتوري القديم ما هي إلا عبث وإفلاس وسذاجة سياسية.. فبالرغم من أن أوضاعنا اليوم مأساوية وربما أكثر إيلاماً، فالعدل يقتضي منا (بعد استتباب الدولة) أن تتم محاسبة كل من أجرم وولغ في دم أو مال عام (قبل وبعد فبراير»... وأن «المصالحة» المأمولة تبقى رهينة «الاعتذار» ثم «المحاسبة» ضمن عدالة انتقالية بعيدة عن التشفي واﻻنتقام، كما أنها لا تعني عودة النظام السابق بسياساته وشخوصه.

«فالتاريخ يمضي ولا يعود»

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات