اعتراف ومكاشفة

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

الاعتراف بأننا متأخرون عن ركب البشرية الحضاري خطوة أولى وضرورة لنعرف مكاننا ونحاول اللحاق به. ولا مناص إلا الاعتراف بأن التجربة الإنسانية وعبر تاريخها تشير إلى أن الغرب تعلم الدرس قبلنا وأدى ذلك إلى ما أدى من السلم الأهلى والرخاء والتقدم، تعلموا الدرس عندما تفرغوا للعمل والإنتاج وتحول الخلاف بينهم إلى تنافس في ميدان السياسة والعمل في جو يحترم فيه الخصم خصمه، وأوجدوا النظم التى تقنن هذا الخلاف وتمجده وتعلي من قيمة الحرية والكرامة الإنسانية..

إن مجرد نظرة عقلانية لتاريخ مجتمعات الحضارة الحديثة تؤكد أنه وفى العصور الوسطى، أدى الخلاف يوما ما إلى حروب لم تعرف البشرية لها مثيلا، وتساقطت الرؤوس فيه بالملايين ليس لجرم غير أن منهجية الإقصاء والفاشية الدينية والعرقية أرادت وأد رؤوس مارست حقها الفطري في التفكير المختلف، وقد دفعت أوروبا (الغرب) فاتورة بالغة الكلفة لقاء الرفاه والطمأنينة في ظل الخلاف وكابدت كثيرا من أجل نسبية الحقيقة والخروج من أسر الكنيسة والفكر الأحادى، ثم جاهدت حديثا وخسرت الملايين من الأرواح حتى تتخلص من الفاشية العرقية العنصرية من أجل إرساء أنظمتها الديمقراطية.

لكننا لم نستوعب الدرس بعد. فنحن الذين لا نقرأ من التاريخ إلا ما يناسب ثقافتنا الإقصائية الأحادية السائدة، ولم نستفد من تجارب إنسانية مماثلة، ونظرتنا للعالم لا زالت أحادية وبلون واحد تحت مظلة الفسطاطين، رغم أنه فى ظنى ليس هناك (وعبر تاريخ البشرية والى اليوم) منهج أو نظرية شكلت أو ستشكل نهاية للتاريخ، ويقينى أنه لن تولد هذه النظرية أبدا وستواصل البشرية مسيرتها عبر ممارسة النقد والتحسين والتجويد المستمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فالقيم والأخلاق حين تتجسد واقعا هي بالنهاية منتج وجهد بشري قابل للخطأ والصواب.

أصحاب الفكر الأحادي المتوهمين أنهم أهل الحقيقة المطلقة هم أس البلاء وهم أساس البناء المنهجى للتطرف

الإنسان هو الإنسان وما صلحت به مجتمعات أخرى لابد لنا من الاستفادة منه، وأعتقد بأنه ليس أمامنا إلا أن نتوجه بالنقد الحر الشجاع إلى ثقافتنا دون القبول بالمزايدات الفارغة كأن نتهم بالخيانة والزندقة والتغريب والعمالة والتبعية والخروج على الطاعة والردة والكفر.. إلخ، ولنا أيضا أن نُقَوم أخطاء الآخرين دون أن نُرمى بالرجعية والتحجر والتقوقع.

علينا أن نعيش كإنسان هذا العصر، لنا الحق المطلق في التفكير والاختلاف دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء صراع أبدي في كياننا الروحي والمادي. وعلينا أن نخرج من قوقعة التأطير اآيديولوجى والقولبة؛ ولا ينبغي أن نعيش تحت مظلة الفسطاطين، فالكون مبني على التنوع والإنسان مجبول على اﻻختلاف.

وأجزم أن أصحاب الفكر الأحادي المتوهمين أنهم أهل الحقيقة المطلقة هم أس البلاء وهم أساس البناء المنهجى للتطرف وإرهاب الذي اجتاح جغرافيتنا. ولهم أقول.. لكم أن تؤمنوا بما تشاؤون، اعبدوا أصنامكم ، ولكن ﻻ تقذفونا بما ليس فينا ولا تكرهونا على ما تعتقدونه صوابا!!

حدثني صديق بأن كل من اعترض على حادثة مصادرة الكتب فى شرق البلاد قد واجهوا هجوما جارحا من الطائفة الوهابية فى بلادنا.. وأصاب المعترضين شيء من اللعن والتكفير والاتهام بأنهم من أنصارالعلمانية والشيعة والانحلال.. إلى آخر مصفوفة الشتائم والبذاءات.

وللأسف نحن مجتمع ناشيء مورس عليه التجهيل، ولا زال الكثير من عوامنا وخواصنا لا يمتلكون معرفة كاملة عن لفظ الليبرالية والعلمانية تلك "الشتيمة" التى يستخدمها الوهابيون فى التعامل مع مخالفيهم، اعتقادا جاهلا بأنها ضمن مصفوفة الشتائم، وما هى كذلك. إذ أراها ضمن مفردات المدح، بل هى أمر يدعو للفخر.

انتقدوا واختلفوا باحترام ووئام، الحرية لا تساوي أبدا الانحلال ولا يوجد شئ اسمه طوفان انحلال الحرية حتى نخافه أو يخوفونا منه، والحرية عندما تتحقق واقعا ستكون حتما فيضان كل خير وجمال وسلام. الحرية، وبفضلها نستطيع أن ننتقد ما نراه خطأ دون خوف أو وجل. . الحرية وُجِدت لتبقى. ولن نقبل تبرير استنبات دكتاتورية بواجهات جديدة تحت مبررات الأمن والأمان.
قال صديقى سعد راشد:

الحل يا صديقي هو البدء من حيث انتهى الآخرون بدون مكابرة وشعارات زائدة. نحن نأخذ عن الغرب صناعته وعلومه ونعالج في مستشفياته، فهو يقنعنا في كل شيء باستثناء السياسة التي ندعي معرفتها، إننا أهل الشعارات، وقد حكمنا من قبل من كان متخفيا خلف القومية اوالدين، وينبغي أن لا نسمح لهم بإعادة المحاولة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات