الحدود الديمقراطية للعسكرتارية الليبية

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

تمحور ثالُوث الشقاق بين الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي في حربهما الباردة حول: الشيوعية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان.. سقوط النظرية الشيوعية، وتبني روسيا لديمقراطية تُبرز قوة الزعيم، وتراجع احترام حقوق الإنسان ومعاييرها الذي برّرت صدقيته أحداث 11 سبتمبر في التداول السياسي الأميركي، كُلّها دواعٍ أسقطت في برغماتية دونالد ترُمب مبرّرات خصومة الولايات المتحدة لروسيا!. وكون الرئيس الروسي بوتين "قاتلاً" بوصف مذيع الـ"فوكس نيوز" لا يعني حسب ترُمب براءة أميركا من سياسيين قتلة يوجدون بها.

زوال إمارة تنظيم داعش المصطنعة في سرت، بنهاية عام 2016 واستئناف ضخّ النفط على أن تؤول عوائده بإدارة المؤسسة الوطنية إلى البنك المركزي في العاصمة طرابلس، أطرّ ليبيا من جديد بأن تكون نقطة المراقبة الأوروبية لتجاوز العلاقة بين ترُمب وبوتين حدود الاحترام إلى الاتفاق، الذي تؤيده المصالح الثلاث للزعيم الروسي في ليبيا وهي: استعادة عقود تسليح جيش تُبذل المساعي في توهيم حقيقته القديمة بحقيقة جديدة هي محاربة الإرهاب، الذي تتوجه الإدارة الأميركية الجديدة أيضاً إلى إدراج ماسمّته الإدارة السابقة بالجماعات الإسلامية الليبية المعتدلة في لائحته، وهو ما يخدم غرض استعادة روسيا لحضورها العسكري فيما عرُف تقليديا بحقبة التأجير المؤقت لمناطق النفوذ الأميركي، واستئناف حضور الشركات النفطية الروسية، بتعزيز مكانة روسيا حسب عقيدة بوتين الاقتصادية كبلد رئيسي في إنتاج النفط.

تفيد أخبار تسربت للأوروبيين بأن إدارة ترامب تعدّ لخطة يتم تنفيذها بالتعاون مع روسيا لصالح مسمّى الجيش الليبي

تفيد أخبار تسربت للأوروبيين بأن إدارة ترامب تعدّ لخطة يتم تنفيذها بالتعاون مع روسيا لصالح مسمّى الجيش الليبي لبناء مدن صغيرة تضّم مصانع ومنشآت نفطية، إضافة إلى معسكرات للمهاجرين غير الشرعيين، وبالنظر إلى مسعى الحكومة الروسية إلى التقارب مع إدارة ترُمب بعروض سلام في ليبيا وإضعاف التنظيمات الإسلامية المتشدّدة، فإن المهمة ستتخيّر مسؤولين في إدارة ترُمب كوزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي كسب شهرته بقيادته مصالح شركة إكسون موبيل في روسيا وربطته علاقة بالرئيس بوتين، تكلّلت بتقليده وساماً عام 2012. وتيلرسون هو من اقترحته الجمهورية كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الرئيس السابق بوش لترمب، الذي قبل اقتراحها بناءً على منطق فن الصفقة الذي برّر به اختياره لـه بدعوى فهمه العميق للقضايا الجيوسياسية ، ومهارته في إدارةالأعمال، وذكائه وهو، المهّم، في عقد الصفقات، أو تجديد صفقات قديمة كالصفقة التي عقدتها رايس مع دكتاتور ليبيا السابق عند التقائها به في سبتمبر 2008منذ آخر زيارة لوزير خارجية أميركي قبل55 عاماً لطيّ صفحة الماضي وابتعاث، ليس فقط مصالح الكارتالات النفطية المتجدّدة للجمهوريين الأميركان في ليبيا، بل الاستفادة من موقعها الجيوستراتيجي على الأصعدة الاقتصادية والعسكرية والسياسية في التوجهات الأميركية نحو قارّة أفريقيا.

كما ستتخيّر المهمة، مستشار الأمن القومي، مايكل فلين الذي لاتعدو علاقته بروسيا باب التكهّنات المُتّهِمة. لكن المثير في شخصيته أطروحة كتابه "ساحة القتال The Field of Fight " الرؤية الجامعة بين فكر المحافظين الجدد، وواقعية لاتجد غضاضة في العمل مع "الطغاة" المحليين! لكسب الحرب العالمية ضد الإسلام الراديكالي وحلفائه. المعركة التي يندرج فيها باسم "الكرامة"قائد جيش ليبيا الموهوم الذي يهدّد نفوذه المتصاعد اتفاقات الأوروبيين مع رئيس المجلس الرئاسي في طرابلس بشأن مشكلتهم الأساسية، المتعلّقة بالمهاجرين عبر ليبيا، وأن نجاحه في إرساء قاعدة لنفوذ روسي متجدد في ليبيا يبدو صادماً لهم، إلا أن اللافت لهم أيضاً بيوغرافيته الشخصية كونه أقام 20 سنة في الولايات المتحدة الأمريكية غير بعيد عن مقر المخابرات المركزية، بدعوى العمل على الإطاحة بدكتاتور ليبيا السابق رفيقه في انقلاب عام 1969، الذي ميزه لوشائج قبلية بنفوذ في الجيش وأهّله عسكريا في أكاديميات الاتحاد السوفياتي لخوض حروبه الأفريقية الفاشلة.

بناءً على الدور الذي تلعبه إيطاليا خدمةً لمصالحها الاقتصادية، في حلحلة التأزم السياسي للقضية الليبية، وكونها المعنية الأولى بمسألة الهجرة التي وقعّت مع الحكومة التوافقية المعترف بها دولياً في طرابلس اتفاقاً بشأن حسمها، طلب رئيس وزراء إيطاليا من الرئيس الأميركي إسهاماً خاصًا لبلاده في إدارة الأزمة الليبية. الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية فدريكا موغيريني ستأخذ الطلب دون أن تنتظر زيارة مايك بينس نائب الرئيس ترمب يوم 19 فبراير الجاري لبروكسل، مفضلة التوجه شخصيا للعاصمة الأميركية لبحث مسائل يعتبرها الأوروبيون ملحة، في مقدمتها الهجرة غير الشرعية التي فاقمتها الأزمة السياسية الليبية، الأمرالذي تمّ التنسيق فيه إلى جانب قضايا أخرى مع وزير خارجية روسيا. المُرجّح أن مباحثات موغريني مع وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي في وشنطن ستفضي إلى صفقة ينتج عنها تعديل شكل المجلس الرئاسي للسماح لدور روسي عبر وكالة قيادة مسمّى الجيش الليبي، التي ستخضع للمقاربة الأوربية: العسكرتارية تحت القيادة السياسية الديمقراطية واستبعاد ممثلي الميليشات الإسلاموية والحرابية من المشهد السياسي، وهو ماتنبيء عنه ربما التحركات العشوائية والغامضة لكتائب من مصراتة في العاصمة طرابلس تمّ اختبارها عام 2016 في المعركة الأميركية ضد الإرهاب في سرت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات