شفهي وتحريري

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

أتذكر امتحان الشفهي والتحريرى كوسيلة متبعة ولا زالت فى كلية الطب حتى ينال الطالب النجاح المأمول، و لكن العنوان أعلاه لا علاقة له بهذا المعنى، وإنما قصدت منه الحديث عن طريقة انتقال العلم والمعرفة شفاهة أو تدوينا، وهنا بيت القصيد. حيث برأيي أن الكتابة كانت وستبقى من أعظم منجزات وتجليات الوعي الإنسانى ، معبرة عن تفوق الإنسان على كافة المخلوقات الأخرى التي تعيش معه على كوكبنا الأرض.

ومن خلال الكتابة "التحريري" تفرد الإنسان بحفظ ونقل تجربته الحياتية ومعارفه الممتدة من تجاربه الأولى إلى حاضره، وحمل كل ذلك إلى مستقبله وأجياله الآتية ، فلولا الكتابة لما وصلتنا علوم ولا إنجازات وآداب وفنون من سبقنا.

والكتابة إرث إنساني، اشتركت كل الأمم في نشأتها وتطوير أساليبها، وتبسيط عملية الاستفادة منها ، من خلال التطوير المستمر.. وإن كان السومريون هم مكتشفوها الأوائل بصورتها التي استخدمت في التدوين الواسع، والصينيون هم مكتشفو صناعة أهم وسائلها (الورق)، فحديثا كان للألمان دور بارز- إذ هم مكتشفو أسهل طريقة لنشرها وتعميمها من خلال آلات الطباعة حيث يوحنا جوتنبرج (1397- 1468م). ذلك الإسم اللامع في مدينة (ماينـز) بألمانيا، والذي ارتبط باختراع حروف الطباعة والمطابع، وذلك عام 1436م، وكان هذا الاكتشاف إيذانًا بعصر جديد في انتشار العلم والتقاء الحضارات، وتبادل الثقافات.
وظهر أول كتاب مطبوع في أوروبا -على الأرجح- ما بين (1440-1450م).
هذا استهلال عن الكتابة و"التحريري"

نعود إلى الحديث إذن حول "الشفهى" حيث من المعروف أن جغرافيتنا العربية سادت فيها المشافهة، كما غيرنا من المجتمعات، ولكن بيئتنا لا زالت تشهد تبجيلا "للشفهي" حتى الآن، وذلك من خلال الخطابة والشعر والحكايات والأمثال الشعبية.. إلخ .. ويوما ما كانت سوق عكاظ وكانت معلقات الشعر تحظى بالتبجيل حتى يقال أنها وصلت لمرحلة القداسة وعلقت على أستار الكعبة، ثم تلا ذلك مرحلة أخرى شهدت الاحتفاء بشعراء السلاطين والملوك ؛ ثم دخل خطباء المنابر على الخط عندما أراد الحكام تدعيم ملكهم استنادا إلى الفتاوى الدينية... الشاهد أن الخطاب الشفهي كان هو السائد ولا زال يلعب دورا فاعلا حتى يومنا هذا. فقد قرأت على موقع دار الإفتاء.. (إن الْمُشَافَهَةُ طريق من طُرُقِ أَخْذِ الْعِلْمِ، وَهِيَ أَنْفَعُها وَأَسْلَمُها. وقد قَدَّم أَهْلُ الْعِلْمِ رِوَايَة الْمُشَافَهَةِ عَلَى غيرها).. ومن الأحْكَام التي تتعلَّقُ بالمشافهة أن الأصْل فِي الْعُقُودِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ تَكُونَ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِالْمُشَافَهَةِ، وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ طُرُقِ التَّعْبِيرِ عَنِ الإْرَادَةِ كَالْكِتَابَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ وَالإشَارَةِ ).!؟

الغريب أن هذا التبجيل للمشافهة يحدث رغم أن العالم يشهد تطورات غير مسبوقة وهائلة فى وسائل التواصل ونقل العلم والمعرفة حيث تم بفضل الله أن اخترع أهل الفرنجة "الكفار" آلة الطباعة وبدأت تنطلق مسيرة ميسرة وسهلة "للتحريري". مع الأخذ في الاعتبار عدم انتصار"التحريرى الكتب".. فقد حصلت طفرة بالغة فى المسيرة البشرية بتطور ثقافة الصورة والسينما والانترنت وشبكات التواصل، كل ذلك ساهم فى التوثيق"التحريري" وسهولة نقل العلوم والآداب والفنون.. والتي بدورها تساهم فى نشأة الأجيال القادمة.

إنسان اليوم فصار يفضل أن يشاهد فيلما سينمائيا على أن يقرأ رواية مطولة أو يقرأ قصة قصيرة ومجلة سريعة بدلا من قراءة رواية

ونعرج هنا إلى محاولة فهم أسباب الاهتمام بالشفهي، فنجد ملاحظة أظنها تمثل حقيقة ظاهرة عبر تاريخنا وهي أن أنظمة الحكم فى منطقتنا العربية بشكل عام دأبت وباهتمام واضح على التثقيف الشفهي المسيطر عليه، وكانت حريصة أشد الحرص عبر التاريخ على تدجين نظام الخطابة وتوظيف الشعراء فى مدح "ولاة الأمور" وتمكين خطباء المساجد من قديم الزمن واعتبرت ذلك مهنة رسمية ؛ وعبر أولئك "الشفهيين" ظهر الترويج للحاكم ، اسمه وأفعاله والتمجيد والدعاء له حتى صارت لازمة لدى كل خطباء المساجد بالدعوة لولاة أمرهم وأصحاب وظيفتهم ونعمتهم..

ومن باب الشيء بالشيء يذكر..
(لم تكن أوروبا في العصور الوسطى بأفضل حال أصلا. فهي مؤسسة ثقافة التلقين الشفهي عبر خطبة الأحد واللقاءات الكنسية وكان ”مارتن لوثر” محقا حين سمى الكنيسة ”دار فم لا دار قلم”).
يا ترى هل هذا يكفى كسبب لذلك الاهتمام والتوجه إلى الشفهي؟..

أظن أن هناك أمرا آخر يشير إلى أن هناك فرقا شاسعا بين أن تستمع استماع "المُكرَه" لكلام خطيب منصة أو مسجد أو على الهواء، وبين القراءة في كتاب والقدرة على التدبر والتفكير وإمكانية الرجوع للنص مرة وأخرى للتأكد من المحتوى الفكري ومن صلاحيته أو صحته، لأن المراجعة والتأكد غير متاحين فيما يخص الخطاب الشفهي الذي يمر مرور الكرام فيبقى البعض منه مما يعلق في الذاكرة حسب فهم اللحظة وليس عبر إمعان الفكر؛ حيث السرد الشفوي لا مجال معه للمراجعة والتصحيح والاختصار والتكثيف، أي لا تصير الفكرة فكرا، والفكر هو ما يحرك الوعي الذي يخافه الحكام الطغاة. ولهذا السبب وعبر التاريخ كان الحرص الدائم من كل منظومة استبدادية على استخدام الخطاب (الشفهي) دون الخطاب (التحريري) اعتمادا على اللعب على العواطف والمشاعر اللحظية العابرة… وكان الحرص يمتد إلى التحكم بالطباعة والنشر وهو ما هو قائم حتى يومنا هذا.. ولعل مصادرة الكتب وحرقها والتضيق على الكتاب أمر لا يستدعي التدليل عليه وهو ما استدعى هذا الحديث، حيث حادثة مصادرة كتب فى شرق البلاد من جهة أمنية بالاتفاق مع توجه ديني معروف.

وللأسف هو ليس حدثا استثنائيا إذ الدول العربية تعتبر من الدول القلائل في العالم التي لا زالت تصدر تراخيص للنشر والتأليف والطباعة بما يشمل الآداب والفنون بكل أشكالها وتمارس الرقابة بدعاوى كثيرة أشهرها "الغزو الفكرى"!!.

نعود للحديث عن "الشفهي والتحريري" من زاوية أخرى حيث نلاحظ أن "الشفهي" يتماشي مع المترددين الخائفين من سطوة الحاكم أو المؤسسة الدينية بحيث يقبلون بثقافة المشافهة لسهولة الإنكار ونفض أيديهم عند الضرورة.. فهي إذن أداة مشتركة ومقبولة للمستبد أولا وللخائف ثانيا وبنفس الدرجة لمصلحتين متناقضتين وهو ما جعلها قادرة على الحياة.

لقد كانت الكتابة رمزا للتفكير، وأداة مهمة فى التطور، فالشعوب التي لم تكتشف الكتابة حتى وقت متأخر من مسيرتها الحياتية انخفض إسهامها في حركة التطور والاكتشاف، لأن التطور يقوم على التراكم المعرفي، ولا سبيل لتجميع وحفظ وتراكم المعارف من دون كتابة وستبقى ثقافة "الشفهي" غير ثابتة وغير موثوق فى صحتها ولا تؤسس عقلا ناضجا واعيا ولذا فهي تساهم فى إنتاج أفواج جاهزة لتلقف الأفكار البالية والمتخلفة المبثوثة في الشعارات العاطفية الرنانة، حيث لا تمعن ولا تفكير، خاصة مع وجود نسبة لابأس بها من الأمية.

سيبقى "التحريري" ضرورة، وستبقى ثقافة التدوين من أولى الاهتمامات، ليس بالضرورة الكتابة النمطية والكتاب ولكن بكل وسائل التدوين ، للإسهام في تفادي أجيال متلاحقة من أهل الكلام الحنجورى من الإرهابيين والتكفيريين، الذين يشكلون الخطر الأكبر اليوم وغدا.

"الشفهي" كان الأداة المتاحة فى مرحلة ما من تطور المجتمعات البشرية لنقل المعرفة والتجارب الحياتية عبر الأجيال.. كل ذلك قبل اختراع الورق واختراع الطباعة..

أما إنسان اليوم فصار يفضل أن يشاهد فيلما سينمائيا على أن يقرأ رواية مطولة، أو يقرأ قصة قصيرة ومجلة سريعة بدلا من قراءة رواية، وذلك لعدم وجود وقت، وهو معرض لعدة مصادر للعلم والمعرفة، وعليه أن يوجه اهتمامه بين المرئي والمسموع والقراءة، وبالتالي يقسم وقته على هذه الاهتمامات. ولا يجب أن تتملكنا ثقافة "الشفهي" فى القرن الحادي والعشرين وإن كان لها مكانها دون إفراط.

يقول إبراهيم البليهي: (ثقافة المشافهة والارتجال هي التي تتحكم بعقولنا وعواطفنا، وهناك فى مجتمعات العرب طوفان بشر تستبد بهم اللحظة العابرة ... جاهزون للإثارة في كل اتجاه).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات