أوهام... وتوهان !؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

كعادة كل (المتربصين) عندما ينتابهم اليأس خاصة ممن يفقدون وجودهم السلطوى، يتجهون إلى استغلال حالة الفوضى وانعدام الأمن كى يبرروا فكرة دأبوا على استدعائها استنادا وانطلاقا من أجواء الحاضر البائس الذى نعيشه، إنها حالة "الهروب الى الوراء"!. والواقع يشهد بأنها حالة تمثل رغبة مشتركة بين رموز عدة..أولها أولئك الذين يريدون استعادة نظام سابق سيطر يوما ما على وطن لا يتكلم، إنهم أولئك الذين قرروا، أن يبحثوا عن ضالتهم فى ذكريات عَفَّى عليها الزمن.. تماما كالتاجر المفلس الذى يفتش فى دفاتره القديمة لعله يجد فيها ما يسد به عجزه!.

وظنى أنها الفئة التي (تسعى إلى تذكير الناس بزمن خنوعهم الذى ساده يوما ما أمان نسبي وهدوء يماثل صمت الحجر)، متناسين حقبة طويلة من الاستبداد والفساد وغافلين عن أن حركة التاريخ ماضية إلى الأمام وليس للخلف.

الشاهد أننا نعيش الآن حالة تشكل رجوعًا إلى الخلف فى وطن اعتقد الناس فيه أن ما سمي بالثورة ستأخذهم إلى الأمام

أما الفئة الثانية "الهاربة إلى الوراء" فهم أولئك العازفون على وتر العواطف والوجدان الدينى الذى يحيلنا إلى زمن ملائكي متوهم لا علاقة لمعاييره بالزمن الحاضر الذي نعيشه.

الفئة الأولى تستند إلى أن التغيير الذى حدث فى فبراير 2011 وسمي ثورة هو تغيير خاطيء ومؤامرة.. ويتجاهلون أن النماذج البشرية السيئة التي نراها فى المشهد اليوم هي من المؤكد أنها من إنتاج الواقع السابق ومن مخرجات البيئة التى راكمت مصطلحات المحق والسحق والتطهير والإزالة والحلول الجذرية وجمهرة المواقع والمؤسسات ولذا لا معنى للعجب واستنكار ولادة الواقع البائس اليوم؛ بل أتعجب من دعوتهم إلى الرجوع إلى ذلك الماضي القريب.. المكتنز بثقافة الفوضى والجمهرة.. فنحن فى الحقيقة لم نغادرها أصلا.. حيث لا زال واقعنا يشهد بذلك، فهاهم الناس يعيشون امتدادا "لعصر الجماهير".. نفس الإقصاء والغوغائية.. نفس المصطلحات والمفردات، كل جناح من متعاطي الشأن العام يصف المعارضين له بالعملاء والخونة، وثلة من الأدعياء يخرجون علينا من على الشاشات باعتبارهم خبراء ومحللين استراتيجيين منحازين للوطن وهم يتحدثون عن المؤامرات الكبرى، وحول الحلول الجذرية... إلى آخر مصفوفة الدجل السياسي.

أما الفئة الثانية من أهل الهروب إلى وهم الماضي فهم دعاة العودة لما كان عليه السلف الصالح "بزعمهم"..وما هم إلا أهل الوصاية على الدين؛ الذين يقودون "بالمقدس" حملات تبريرية لتقاتل وتناحر أخوة الوطن والدين بكل برود!.

الشاهد أننا نعيش الآن حالة تشكل رجوعًا إلى الخلف فى وطن اعتقد الناس فيه أن ما سمي بالثورة ستأخذهم إلى الأمام، فإذا بتيار الضغائن والكراهية (وبحكم الواقع البائس) يدفعهم إلى حنين العودة إلى بؤرة الوهم وتحت مظلة الأمن والأمان اندفعوا يبحثون عن البطل المخلص والزعيم المنقذ أوالحل المقدس!.

الكل دون أن يدرى قرر العودة إلى طاعون الخواء وفراغ "النوستالجيا المرضية"، بعضهم ذهب إليها دون وعي، وآخرون ذهبوا إليها اشتياقًا، بينما فئة ثالثة "جهويون بدائيون يظنون النجاح نجاح قبيلتهم أو مدينتهم ولا ينظرون إلا تحت أقدامهم".

تذهب إليها متعمدة تحقيقًا لمصالح، ورغبة فى إعادة المشهد القديم للشعب المغلوب على أمره والصامت فى مواجهة القوى المتحكمة المتمترسة بالسلاح.

الدعوة إلى المشهد القديم تتجلى أمامنا فى كثير من المجالس وما هي إلا دعوة العودة لـ ( مراة بوي الاولى) فى نسختها الجديدة… حتى المجرمون وأصحاب السوابق يرفعون شعار الثوار ومكتسبات الثورة وأعداء الثورة بينما وعلى ضفة أخرى ترفرف راية الفسطاطين.. راية الأحرار والشرفاء من ناحية ويقابلها الخونة والعملاء من الناحية الأخرى.

أما دعاة الرجوع إلى الوراء من أهل الوصاية على الدين، الذين يمثلون النموذج المثالى لوهم العودة للماضىي، أولئك الذين أعطوا للمشهد بعده التاريخي من خلال العودة إلى قانون الذبح المجاني أملا فى حور العين!! وآثروا العودة إلى ثنائية الكفر والإيمان والحق والباطل وما يستلزم ذلك من استنساخ للجدال العقيم وادعاء العصمة من خلال معاركهم البائسة التي عادت لتطل علينا الآن بمعركة جديدة وحلة قديمة من الجدل المحاط بالوكالة الحصرية عن الله، وصارت أولوياتهم العودة إلى سمات مجتمع القرون الوسطى؛ وصارت أحاديثهم تدور حول الفصل بين الجنسين فى الفصول الدراسية وتحريم التلفاز وتعليق الصور واقتناء التماثيل والنقاب والحجاب وعذاب القبر، والتحزب المذهبى!.. إلخ.

إن عبارة العودة إلى زمن السلف الصالح مقولة حقيقتها أكذوبة ومرجعها حلم طوباوي اختلط بشيء من اأساطير والخرافة!!. وما سبب ذلك إلا توهم أن ما سبق خير من الآتى ولذا يغيب النظر والتفكير فى المستقبل وما يتطلبه من رؤية تحمل الحرص على التطوير والتجديد من أجل حياة أفضل.

لا أتفهم منطقيا وعقليا.. كيف يمكن أن نعود للوراء حتى نتقدم؟

نعم كل الشعوب تضفي على تاريخها حلة مثالية رائعة ونحن لسنا استثناء... ولكن الشعوب التي تقدمت مارست النقد الذاتي وأنتجت رؤية تتناسب مع تغير المكان والزمان ومعطياتهما.. بينما بقينا نحن نردد كالببغاوات ما صنعته عقول الأسلاف منذ ألف سنة ويزيد.. بحيث تجاوزنا حقيقة "أن تلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" وتجاوزنا تغير معطيات الزمان ومستجداته وتطور العلوم. لكل ذلك وغيره، لا أتفهم منطقيا وعقليا.. كيف يمكن أن نعود للوراء حتى نتقدم؟.

ولا أتفهم كيف نخرج من حقبة استبدادية لنعود طواعية لحقبة استبدادية جديدة؟ المؤلم أن الواقع شاهد على أن عقولنا تغلفها قشرة سطحية تخفي تحتها طبقة عميقة ماضوية متخلفة، ويبدو أن لا سبيل لتجاوزها إلا بممارسة النقد الحر البناء لكل ما وصلنا من التراث بعيدا عن التكرار واﻻجترار.. وربما العلاج بالصدمة ونقد المسلمات يكون مجديا، لأن الجمود العقلي هو أس البلاء وهو الذي فتح أفقا واسعا للغلو ومكن التطرف من أن يجد له موطأ قدم فى واقعنا..؟

أوهام وتوهان جعلتنا نبحث عن الحلول الوهمية بدلا من إبداع تصورات تقدم لنا طموحا جديدا أو رؤية مستقبلية توضح لنا أسباب ما نحن فيه؛ وحلولا ممكنة وعملية!!. ليبقى المناخ العام ضد المستقبل، والأجواء التى يريدوننا العودة إليها تشابه من هو محاصر في قوقعة حتى تصبح أقصى الأماني، الحلم بعودة الماضي المستقر قسرا وإكراها.

لا أدري بما أختم قولي إلا بنداء صادق..أكرر فيه التحذير من متاهة النوستالجيا المرضية لأن الحنين إليها هو أم الكوارث.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات