أيها الليبيون تحابّوا.. وإن لم تستطيعوا فتظاهروا بذلك

علي المجبري |
علي المجبري

الليبيون أصبحوا لا يطاقون.. كراهيتهم لأنفسهم فاقت كل الحدود.. وصراعاتهم صراعات غير نبيلة ولا شريفة ولا حتى سوية.. صراعات ترفّعت عنها حتى الجاهلية الأولى:

"تم تجييف المرتد..."، "هذه صورة الجيفة..."، "اقتلوا الكلاب وارموا جيفهم في القمامة"، "المرتدين"، "الكفار"، "الصحوات" ، "القمل"..؛ لا حول ولا قوة إلا بالله.. حتى في عز حرب العرب مع إسرائيل لم يقل أحدٌ في ليبيا ولا في غيرها: "تم تجييف جندي إسرائيلي أو جنود إسرائيليين".. وحتى في حرب المسلمين ضد المشركين لم يقل المسلمون: "تم تجييف أبي جهل" كما لم يقل كفار قريش في أُحد "جيّفنا أصحاب محمد ".. بل ولم يقل مسلم واحدٌ مثل هذا القول عندما قُتل مسيلمة الكذاب؛ لقد هتفوا "الله أكبر قُتِلَ مسيلمة"!! ..

فمن أين لنا هذه المصطلحات وهذه القباحة والعفونة التي طوقنا بها ألستنا وقلوبنا وأجريناها على ألسنة أبنائنا وبناتنا !؟.. وكأن المقتول ليس ليبياً أو عربيا أو مسلما وكأنه لم يكن يوما صديقا له أو رفيقَ كفاحٍ ضد آلة القذافي العسكرية المدمرة اللعينة الرهيبة!؟.

سبحان الله.. كيف انقلب الليبيون على هذا النحو!.. كل من حمل بندقيته في وجه الإرهاب ومخرسيّ الألسن قيل عنهم صَحَواتٌ ومرتدون ومجرمون وعبيدٌ ونادوا بقتلهم والتمثيل بجثثهم. وكل من قال لا إله إلا الله قالوا عنه إنه داعشي أو خارجي أو كلب من كلاب أهل النار وهم لا يدرون ما بداخله وكأنهم شَقُّوا عن قلبه وقرؤوا على شرايينه هذه العبارات.

أيها الليبيون تحابّوا وإن لم تستطيعوا أن تتحابّوا فتظاهروا بذلك نعم تظاهروا بذلك على الأقل

كل مَن قاتل ضد القذافي لصقه وصفٌ تم التفنّن في تغليفه بالنقائص والبذاءة ؛ فرجال الصاعقة الذين كانوا يتقدمون الثوار الشباب ويحمونهم و( يُحَضِّنون ) عليهم ويتلقون الضربات الأولى عوضا عنهم صاروا هم المجرمين وعبيد الطاغوت.. والثوار الذين تصدوا لمرتزقة القذافي وكتائبه وقدّموا آلاف الشهداء أصبحوا إرهابيين ومجرمين ولصوصا وقتلة وحتى دواعش رغم أن من بينهم مَن لم يصلِّ ركعةً واحدة في حياته.

نعم لدينا دواعش ولدينا إرهابيون ولدينا مدمنو العبودية ولدينا إسلاميون متطرفون لا يؤمنون بالشعب ولا بالحرية ولا بالديمقراطية بل ولا يؤمنون حتى بالسلام والمعايشة المدنية. نعم لدينا جماعات جاهلة ظلامية من بين قوات أنصار الشريعة وجماعات الإخوان المسلمين، ولكن هؤلاء يمكن حصرهم وعزلهم وسنرى حينها أنهم لا يشكلون حتى عشرةً بالمئة من هذه الفصائل الأمية المتقاتلة!.. فلماذا نعمم الاستثناء ونشقى من أجل إشعال النار حتى في الحطب المبلل!؟.

نعم لدينا أعداد من كل هؤلاء، ولكن لدينا أيضا في كل فريق من الفرق المتقاتلة في حربهم الأمية وتحت شعاراتهم الأمية رجال شرفاء قلبهم على الشعب والدين والوطن.. ولدينا رجال عسكريون ومدنيون ورجال دين نزهاء ورحماء لا أنداد لهم قوةً وشجاعةً وفكرا وعقلا وسلوكا وتمدُّنا ومدنيةً. لكننا لم نعد نرى ولا نسمع ولا حتى نفكر ونحاسب أنفسنا أو نسائلها أو حتى نعاتبها أو نراجعها أو نستغرب جنوحها وانكسارها.
لقد فسدنا.. لقد فسدت قلوبنا بعد أن أفسدنا بأيدينا ألسنتنا وأخلاقنا وعفة ديننا ولغتنا العربية الجميلة.

لقد أصبح الليبيون ينتمون إلى فرق وفصائل تتعادى وتتناحر، وكل فرقة تشتم وتعاير وتقذف من ليس منهم بأقبح الأوصاف والسمات والسباب والشتم وتقاتلها كما لم يقاتل عربي أو مسلم جيوش المشركين أو اليهود في كل تاريخه!.

ماذا جرى لليبيين؟ لماذا نخوض هذه الحروب الأمية؟.. هل هذا بفعل كثرة الولوغ في الدم؟ أم لأننا نعاني أمراضا نفسية تسببت بها الحرب التي نشبت فجأة ولم يُرَد لها أن تنتهي؟

أم هل لأن الدم يجر إلى الدم والقتل يقود إلى القتل؟ أم أن هذا هو طبعنا وأصلنا وجوهرنا وقد افتضحنا أو فضحنا الله عند أول محك ليبدو للعالم كله معدننا الصدئ المهترئ الرخيص المغشوش !؟ .

عصابة صغيرة من مصراتة أساءت إلى الوطن فأصبحت مصراته كلها مجرمة حارقة للوطن.. وأصبح كل الشباب المتدين دواعشَ وخوارجَ وكلابَ أهل النار لأن منهم من أخطأ في حق نفسه وأهله والوطن.. كما لم ينج كل جنود الجيش الليبي رمز وحدة الليبيين مِن نعتهم بالعبيد والمجرمين والأزلام!.. وأصبح كل الثوار إرهابيين وقاطعي طريق ورؤوس.. وحتى شباب السلف الصالح أمطروهم بشتم ولعن وسباب لم يوسموا به حتى أعداء الدين وأصحاب الكتابات والرسومات المسيئة لديننا الحنيف وشخص نبينا الكريم.

فكيف أصبحنا؟!.. وكيف أضحكنا العربَ والعالم منا!؟.. كيف أضحكنا المتقدمين والمتخلفين على حد سواء!؟.. وكيف جعلنا الجميع يتجرأ علينا ويسخر منا ويعاملنا معاملة الدونيين المتخلفين (الغاباتيين)، ولا ينظرون إلينا إلا بنصف عين !؟

لقد أصبحنا كالحمقى والبلهاء ونحن نتساءل: لماذا يصب الله علينا لعناته ويبتلينا بالضيق والظلمة ومرارةِ الحلق!؟. أيها الليبيون تحابّوا!.. ، وإن لم تستطيعوا أن تتحابّوا فتظاهروا بذلك ، نعم تظاهروا بذلك على الأقل !! .

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات