التاريـخ لا يـمـوت

عاشور أحمد بوراشد |
عاشور أحمد بوراشد

ظلمنا أنفسنا لغياب التجربة والثقافة السياسية وندفع، ولازلنا، ثمنا باهظا لهذا الغياب. فرجال دولة الاستقلال الأولى كانوا يجسدون الانتماء للوطن، أعقبها مرحلة عبثية استبدلت الانتماء إلى الوطن بالانتماء للاشخاص، ومن المؤلم أن هؤلاء شركاء لنا في الوطن تعمدوا طمس تلك الفترة وحجبها من تاريخه فغابت الحقيقة عن الأجيال الراهنة.

عندما أصر رجال دولة الاستقلال الأولى علي حتمية الحصول على الاستقلال كانت ليبيا من أفقر دول الارض وليست لديها أي إمكانيات اقتصادية تبرر قيام الدولة وكان هذا سببا لكثير من الدول في التردد لمنح ليبيا استقلالها ولأسباب إنسانية وليست سياسية. ولكن إصرار الوفد الليبي على تحقيق الاستقلال أدى في النهاية إلى الحصول على هذا الاستقلال وكان من المحتم البحث عن وسيلة لتمويل الدولة الوليدة، وبعد كل الجهود التي بذلت للحصول على دعم عربي في ذلك الوقت إلا أن جميع الجهود باءت بالفشل وولد في ذلك الوقت اقتراح اللجوء الى تأجير قواعد عسكرية تنتهي عندما ترى الحكومة أن إمكانيتها المادية تسمح لها بالاستغناء عنها وكانت هذه النهاية ستكون عام 1970 وهنا لابد أن أتعرض إلى شهادة المرحوم الأستاذ رجب الماجري وزير العدل بالحكومة ماقبل الأخيرة في العهد الملكي الذي ذكر لي أنه علي الرغم من كونه وزيرا كان يعترض على وجود القواعد العسكرية على الأراضي الليبية ويعتبره اختراقا للسيادة الوطنية وبأعتياره شاعرا كان ينظم شعرا يدين فيه وجود القواعد العسكرية علي الأرض الليبية، وبعد فترة طويلة من الزمن ذكر لي أنه اطلع علي بعض الوثائق التي تلقي الضوء على تلك الفترة والمببرات والظروف التي أدت إلى توقيع الاتفاقيات ليتضح له أن من قام بتوقيع تلك الاتفاقيات كان أكثر انتماء للوطن من أي مواطن يدعي الانتماء له. انتهت الشهادة.

تبقي الحقيقة أننا جميعا راحلون الوطن باق وكذلك التاريخ قد يحجب نعم لكنه لا يموت

ومن الله علينا بالثروة البترولية التي أصبحت مصدرا رئيسيا للتمويل مع بداية ستينات القرن الماضي وخلال فترة قصيرة لا تتجاوز الثماني سنوات تم إنشاء المدن الجامعية في كل من طرابلس وبنغازي والمدن الرياضية بالمدينتين ومشروع إدريس للإسكان والمشروع العملاق للطريق الساحلي الذي يمتد لأكثر من 1900 كيلومتر، ولكن الإنجاز الأبرز لدولة الاستقلال كان تركيزها علي التربية والتعليم ورصدت له جل أموال الميزانية وكانت نتائجه أكثر من إيجابيه ورصدت منظمة اليونسكو للعلوم والثقافة التجربة اللليببة واعتبرتها تجربة إنسانية فريدة لم تحدث ولن تتكرر ( تقرير منظمة اليونسكو الصادر عام 1968)
على المستوي الاقتصادي كانت ليبيا من أرخص دول البحر الأبيض المتوسط. كان العاملون بليبيا من الجنوب الأوروبي يشترون هداياهم بمناسبة إجازتهم من السوق الليبي وحجاج البيت الحرام في ذلك الوقت كان يقتصر ما يحضرونه من السعودية على السجادة والمسبحة، أما هداياهم لذويهم فقد كانت تشترى من السوق الليبي. كما كانت جل التوكيلات التجارية حكرا على التجار الليبين في الشرق الأوسط.

أمنيا، كانت ليبيا في تلك الفترة واحة أمان في الشمال الأفريقي ولم يكن السائح القادم من الحدود التونسية متوجها إلى مصر يهاب النوم في الخلاء بين المدن والقرى الليبية، ولم يعرف الليبيون الأسوار العالية لبيوتهم ولم يتعرفوا بعد في تلك الفترة على الأبواب والنوافذ الحديدية وكانت محلاتهم التجارية تظل مفتوحة عند النداء للصلاة بما فيها محلات بيع الذهب والفضة.... والحديث يطول. هذه إضاءة تشكل وفاء لعطاء الاباء والأجداد الذين حجب تاريخهم عمدا وظلمناهم وظلمنا أنفسنا.

ما حدث قد حدث. إلا أن الأقصى والأسوأ أن يتكرر الخطأ مرة أخرى عندما نفاجأ بمن يلعن تلك الدماء النقية التي رحلت من بين أيدينا ولم ترَ من الدنيا شيئا ولمن كتبت له الحياة بعد السابع عشر من فبراير ولنداء لفظ الجلالة (الله أكبر) الذي صدحت به الحناجر في كافة أرجاء الوطن مدنه وقراه وميادينه. وهو ما يشكل تناقضا صارخا مع كل القيم النبيلة التي عرفتها البشرية.

في تجاهل مشين لحقيقة الأسباب التي مددت الفترة الانتقالية وعرقلة بناء الدولة. لنترك رسالة للأجيال القادمة تقول أن لا تثوروا ضد الاستبداد والظلم وأن لا تفكروا أبدًا في البحث عن الكرامة لأنكم ستلعنون ممن ثرتم من أجلهم لصالح من ثرتم ضده.

تبقي الحقيقة أننا جميعا راحلون. الوطن باق..... وكذلك التاريخ، قد يحجب نعم... لكنه لا يموت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات