الأزمة الليبية وأرجحيات التداول

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

غطّت مفاجأة فوز المترّشح دونالد ترُمب، وصعوده للرئاسة الأميركية على تعيين البرتغالي أنطونيو غوتيريش في2016/10/13 ليكون الأمين العام التاسع للجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك بناء على توصية من مجلس الأمن الدولي في عملية من خطوتين، حسب السياق الذي ينص عليه ميثاق المنظمة. والأمين العام الجديد شغل في العمل الأممي- في الفترة من يونيو 2005 إلى ديسمبر 2015- منصب المفوض السامي لشؤون اللاجئين، حيث أشرف على عملية الإصلاح الهيكلي الأكثر عمقا في تاريخ المفوضية. معززاً قدرتها على الاستجابة لتحديات أكبر أزمات النزوح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

قبل انضمامه إلى مفوضية اللجوء الدولي في المنظمة الأممية، قضى أنطونيو غوتيريش، أكثر من 20 عاما في مجال العمل الحكومي ، بما في ذلك منصب رئيس الوزراء البرتغالي 1995-2002، ورئيس المجلس الأوروبي في أوائل عام 2000. كما أسس في عام 1991 المجلس البرتغالي للاجئين. وبالنظر في مسيرته الوظيفية، نستطيع أن نتكهّن بالسياق المحتمل الذي ستتأطر فيه الأزمة الليبية بأرجحية تداولها المستأنف كمشكلة انقسام مجتمعي غيّبت تداعياته معالم الدولة فيما يشبه الحرب الأهلية.

فالمسؤول الأممي لن يهتم بالتوعدّات الدّالة على انعدام حسّ المسؤولية لدى مصدريها وافتقادهم التأهيل

الهجرة والفوبيات الملتصقة بها،هي الزاد الذي تتغذى عليه اليوم في أوروبا، المنظمات القومية اليمينية المتطرفة والحركات الشعبوية،كـ حزب استقلال المملكة المتحدة والجبهة الوطنية الفرنسية بزعامة مارين لوبان، وحزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي وحزب "الحرية" النمساوي وغيرها من الأحزاب المتغوّلة في مختلف أنحاء أوروبا التي ستخوض بلدان فيها كـ : ألمانيا وفرنسا وهولندا سلسلة من الانتخابات المهمة في عام 2017، في ظل شعور عام بأن أوروبا كما لو كانت محاطة بحلقة من النار، فمن جهة هناك روسيا التحريفية والانتقامية في الشرق، ومن جهة أخرى هناك انهيار أنظمة متعددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجنوب، ساهمت فوضاها كليبيا منذ ربيع عام 2014 في إعادة الإنتاج الكارثي لظاهرة الهجرة غير النظامية باتجاه القارّة الأوروبية.

بحكم خبرته السياسية في العمل الحكومي التي توّجها برئاسة الوزراء في البرتغال، لن يأبه الأمين العام الجديد لخطاب التهديد بمقاضاة الأمم المتحدة في المحكمة الدولية، والذي توعد به رئيس البرلمان الليبي الأمين العام السابق بان كي مون في أغسطس من العام الماضي 2016، لدعوته المجلس الرئاسي لتمثيل ليبيا في الاجتماعات الدولية!.

فالمسؤول الأممي لن يهتم بالتوعدّات الدّالة على انعدام حسّ المسؤولية لدى مصدريها وافتقادهم التأهيل، وصدفوية، بل عشوائية وصولهم إلى تصدّر مشهد صناعة الحدث السياسي في ليبيا الفوضوية، ولكنه سيهتم بمسألة صدورها من شخصيات اعتبارية تتبوأ مسؤوليات عالية في مؤسسات كالبرلمان الذي أفرزته عام 2014 انتخابات توفرت فيها شروط وشكليات العملية الانتخابية التي رعتها الأمم المتحدة، وبدأ مسارها منذ عام 2012 مندوبها الأوّل في ليبيا اللبناني طارق متري، وأن التهديدات تتعلّق بتصرف برتوكولي من طرف الأمم المتحدة إزاء جسم سياسي رغم خلله البنيوي ومناقصه حاز الاعتراف الدولي، وتم بناؤه والتوافق عليه بعد حوارات طويلة وشاقة بين أطراف الأزمة، كانت قد رعتها الأمم المتحدة وتنقلّت بها بدأب ممثلها الثاني في ليبيا الأسباني برناردينو ليون عبر اجتماعات مكوكية بين أمكنة عدة في ليبيا وفي بلدان خارجها وتوصلت إلى صياغة ماعرُف باتفاق الصخيرات السياسي.

التوافق لم يوصل حتى الآن للنتيجة التي توخّتها منظمة الأمم المتحدة لحل الإشكال السياسي الليبي-الليبي ، بعد سقوط النظام الدكتاتوري السابق عام 2011 في غمار انتفاضة شعبية مسلحة ضدّه تمت شرعنتها بقرار من مجلس الأمن الدولي، ودعمّها تدّخل عسكري من حلف الناتو الذي تقف وراءه مصالح الدول الغربية في ليبيا. من بين هذه المصالح إيقاف تدّفق تيار اللجوء الإنساني غير النظامي عبر ليبيا والبحر المتوسط إلى البلدان الأوروبية، هذا المآل الذي وصل إليه المسعى الأممي يؤكد رؤية الأمين العام غوتيريش المقدّمة إلى الجمعية العامة في 12 أبريل من العام الحالي، بعقم الطرائق المتبعة سابقاً من قبل المنظمة الأممية بافتعال العديد من الاجتماعات، الضّامة العديد من الأشخاص، لمناقشة العديد من القضايا، واتخاذ القليل من القرارات إزاءها. واستبدال ذلك باتباع نهج أكثر تركيزا للخروج بنتائج.

دونالد ترُمب الذي وصم المنظمة الدولية بـ "خلاّقة مشكلات لا تحلّها"وأنها مجرد "نادٍ يلتقى فيه الناس للطنطة وتمضية الأوقات الطيبة"

في عام 1951 حقّقت منظمة الأمم المتحدة نتائج الدبلوماسية الموهوبة والملتزمة لخلق الحقائق المجسمة في الواقع التاريخي بمنح ليبيا استقلالها، والتي خالفتها منذ عام 2012 دبلوماسية عكس الحقائق العرجاء، التي تعاطت مع الشأن التأزمي الليبي من خلال التعامل مع كل القوى السياسية الهجينة التي تقف وراءها الميليشيات المعتقدية والحرابية المسلحة الفاعلة في ميدان الصراع الانقسامي الملتهب والدامي بكل توجّهاتها ومعتقدياتها الفوضوية الشاملة تقريباً لكل بقعة من البلاد الليبية والتي يكتفي المندوب الأممي الحالي في ليبيا مارتن كوبلر بمتابعة أفاعيلها بالاستنكار فقط بتغريده كالطائر الذي يصاديه جناحه على موقع تويتر.

نتمنى أن تصّب المساعي السياسية التي تقوم بها الدول العربية الجارة لليبيا هذه الأيام رغم الشكوك في المقاصد لإيصال الفرقاء الليبيين إلى ما تمناه الكاتب الليبي إبراهيم حميدان: بأن يعرف الليبيون ماذا يريدون، وأن يحدّدوا رغبتهم من المنتظم الدولي الذي مازالت ليبيا منذ عام 2011 حسب البند السابع من قرار مجلس الأمن الدولي تحت وصايته. وأن يتجاوزو ما عبر عنه حميدان بمتاهتهم ، الحائرة المحيّرة: "إذ صار العالم يعرف ماذا يرفض الليبيون، ولكنه لم يتمكن بعد من معرفة ماذا يريدون، ربما لأنهم أيضا لايعرفون.

قد نعرف ومعنا الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة عندما ستبلور في الأشهرالقادمة سفيرة الولايات المتحدة المرشحة للمحفل الأممي بنيويوك، نيكي هالي موقفاً إيجابياً يتجاوز التصريحات التي أدلى بها تعقيباً عل قرار مجلس الأمن رقم 2334 الصادر في 23 ديسمبر 2016، بخصوص الاستيطان الإسرائيلى الرئيس المنتخب للولايات المتحدة دونالد ترُمب الذي وصم المنظمة الدولية بـ "خلاّقة مشكلات لا تحلّها"وأنها مجرد "نادٍ يلتقى فيه الناس للطنطة وتمضية الأوقات الطيبة".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات