أعوام مضت ليلة عام يمضي 2016

الحبيب الأمين |
الحبيب الأمين

لطالما كانت الخشية شاخصة في حال ذهاب العقد والعقل وضياع الحل الممكن لهذه الأزمة (الصراع السياسي.. الحرب الأهلية.. الإرهاب)، فالهاجس والخوف كان منذ بدايتها وحتى الآن، إن الأزمة بقادتها وأخواتها وأولادها وبناتها ومن حولها، ستفرض واقعا وظروفا وشروطا وخطوطا وأغراضا وغايات بل وأعراضا وتداعيات، وحتما سيكون لها بدع من التعقيدات والطروحات وأصوات من اللغة والخطابات خاضعة بلا شك لمنطق الخصومة، وجولات الجدال وأطوار الغلو والسفه في التفكير والتدبير لدفوعها الصماء وردودها المتشددة، تكون فيه الأزمة مقامرة وبحد ذاتها ولذتها متعة المأزومين ولعبة للمتجاذبين بالداخل والمروّجين للعبة الحبال، وحتما سيترك هذا الفضاء المشحون الكثير من الفراغات والمساحات لمن أراد ليعبث بينها بالحشو والمحو والخربشات، كلما خالف ذلك لغته أو منطقه وحينها سيُصبِح مجال التفكير والتسطير للحل أو الحلحلة في حد ذاته أمرا مقززا وعلقما ومرا ومقرفا، بل أن الدعوة إلى مائدة الحل ستكون بأعين وأفواه والسنّة المدعوين- إن لم نقل بملاعقهم أو سيوفهم -أما للحصول على الكعكة بمذاقهم ووفقا لوصفتهم أو لقلب الطاولة ونعت الجميع بباعة السم، وكأن ما يطبخونه هم للناس أجمعين بطعم الزلابيا أو الفالودج، وهذا ينعكس على الكل من حول الطاولة أو بعيدا عنها من المتذوقين للشأن السياسي.

هذا ما يحدث الآن فالأزمة بين المتطرفين المتجاذبين تحولت إلى لعبة وطبخة ولها من ذوي النكهات والوصفات فنانين وفلاسفة وخطباء وفقهاء وصحف وصفحات وقنوات وطباخين، والمنطق الجامع لهم الصراع للصراع والانتقام بالانتقام واللذة بالدم والمتعة بالدمار، ولا حل هنا ولا حل هناك والشياطين تحوم بين المأزومين.

ولأن السلام ثمين وغال لمن يطلبه ويحتاجه ولكنه ايضا ليس بصفقة بل عهد وميثاق، وحالة وعي مسؤولة مدركة للمخاطر المحدقة وبالمهالك الماثلة، حتما لا ولن يدركها المقامرون ولا يحبذها الرابحون من هذه العطالة عن الوعي، والمندفعون بِنَا نحو المزيد من المهاوي والتوجيه الخارق ناحية انفاق الظلمة، كما ولن ينصح بها من يهلل للاشتعال الداخلي أو يبشر بالثقاب المستورد ومن وراءهم من حمالة الحطب والشغب، المستلبون لأحقادهم والمستسلمون لأوهام الانتقام وثارات الغلبة وغيرهم من السراق والحداق ذوي الرهانات المتطرفة، للوصول إلى سدة القرار ولو هلك العباد جميعا ودمرت البلاد قاطبة، يقابلهم ويوازيهم في الفعل والأثر لاعبو الأدوار الخلفية ووكلاء التنافذ والتنافس البعيد المدى على مدانا المنتهك والمفتوح الأبعاد، والأبواب والنوافذ بأيدي ثلة المجندين بثمن من حملة "المفاتيح المحلية" !.

مازالت الحرب تفرض اقتصادها الواعد بالنهب والسلب عبر تجارة أدواتها وموادها المتفجرة كسوق قذرة لمتصارعين يغلفون نظريتها وتطبيقاتها بالشعارات الملتهبة والمبادىء الشاحنة، ليتكفل الدعائيون المستخدمون! بترويجها وتسويقها لحساب منتجي الكراهية ومأجوري ومستثمري الأزمة، هولاء الذين صاروا لأعوام مضت أقوى معرقلي الاستقرار ومعطلي البناء، فيما تحول أغلب الناس وسواد الشعب إلى مهجرين ونازحين كنسمات لدنة وعقول مستباحة ومستقطبة تحت وطأة الرهق والقهر والخوف بسلع التضليل والتوجيه والتعمية الى التحشيد المذموم والاستقطاب المحموم، ليصبح المكان الليبي "أرخبيلات متقاتلة وكونتانات متباغضة يقودها قراصنة الاحتراب والمستثمرين بالريح الكونية المواتية لمواجهة أشرعة الارهاب وركوبها نحو (مرفأ السلطة)، وليصبح الزمن الليبي الكئيب يوما من النشاط البركاني المتفجر والمحموم لبث وتبادل البيانات الحارقة والخانقة، ونشر الأخبارالسيئة وتحليلاتها المقرفة كمواد نجسة لصناعة المحن والفتن وتوزيعها مجانا مع خدمة الإيصال الحصري والقسري.

"ننسى ونتناسى تحت وابل القصف المسلح والشحن وعصف الخصام والفصام السياسي، وفي مرمى التجابه والتناطح الإعلامي أننا نذبل ونسحق وندمر من الداخل، وأننا نمر بما يمر بِنَا بسمت اللامبالاة والتشظي والانقسام يسحقنا حد التلاشي من الوجود، أو في طريقنا إلى ذلك على الأقل بسرعة تفوق سرعة الموت الذي يتخطفنا ويغتالنا ويتربص بِنَا، والغريب أننا نتمادى في قبول صناع الموت وأدواته ونبارك جنازاته ونرى معاركه وجبهاته خير خلاص لنا من هذه الحياة المهددة بالقصف والنسف والقنص، وبكافة أسبابه وظروفه ونبرر لكل أساليب ممارسته وفنون تنفيذه مع حملات تسعيره وتسليع الإنسان بقيمة رخيصة دما ولحما لصالح شعارات فرغت من قيمه وقيمته، وتم التحايل عليها والتلاعب بها على نحوا مزري ومزور!.

إننا بحاجة إلى الاعتراف بوجود خلل كبير بالعقول وانحطاط حقير بالأخلاق وفساد خطير بالسلوك وامراض خبيثة بالنفوس، وأننا بتنا نشكل بنِسَب قياسية ومعايير وتقييمات مضطردة خطرا على أنفسنا ومجتمعنا من هذه العنفية المستشرية والانتقامية المتفشية والكراهية المنفلتة بيننا. نطالع أعراضها ونتابع آثارها فيما يحصل من قتل وذبح وتعذيب وتنكيل ووحشية وترويع وخطف وتهديد، فمثل هذه الصور البشعة لممارسات مؤذية ومؤلمة صارت بحكم الافلات والانفلات بحكم العادة والمعتادة، وبدرجة الظاهرة تتكرر على نحو تصاعدي، وتستنسخ بأحجام ودرجات مختلفة، ولأشخاص مختلفين، يقتلوا ويذبحوا ويعذبوا، وفيها تمثيل وتشفّي مرفوض ومنبوذ، لكنها حقيقة لنعترف انها تلاقي انتشارا وقبولا يصل حد التأييد والتمجيد بدرجة التحريض على ممارستها وتبنيها ومباركتها من كافة الأطراف، وتحصد التبرير والتأييد والرفض والصمت والقبول «بحسب المعارضة والولاء» ولها مؤشرات مرتفعة ترصدها في تعليقات بالمئات والآلاف من المعجبين بما يؤكد أننا وصلنا إلى مهاوي الأخلاق وحضيض الإحساس، حيث الدرك الأسفل لدفن كل ما يمس الإنسانية بصلة، ونحن نهدر كرامة الانسان وروحه ودمه وجسده، بعد أن تجردنا من كل لبوس للحياء من أنفسنا، وممن يتابعون ما نفعله ببعضنا من ضروب الوحشية وفنون الفتنة والأذى، وكل فريق يجيز لذاته ولسانه ويده وسلاحه تجاوز تعاليم الدين وضوابط العرف والقانون ومبادي الأخلاق وكل القيم الانسانية النبيلة، كونه يخوض حملاته المقدسة وحربه المباركة ولا صوت يعلو على صوت المعركة، ولتخرس أصوات الحياة والنَّاس الأبرياء والبلاد الشهيدة في بلاط الفرقاء ومازال إعلام الفتنة والنقمة يتقاسم بمناشيره ومنابره وخطاباته مع رصاص البنادقة وبياناتهم تشجيع محترفي القتل وهواة لعبة الموت والدمار وإبادة الانسان الليبي على أرضه.

إن التصورات المراهنة على التصعيد والتسعير لحسم الاحتراب بالاحتراب، هي محض إعلان رسمي لحرب أهلية دائرة بالفعل، وغير معلنة يؤججها ويوجهها اقطاب الصراع السياسي والجهوي، وعلى الرغم مما تسترت به هذه الحرب من الشعارات الوطنية غير أن المجاهرة بالاستقواء وبالتبعية لدوائر النفوذ الإقليمية والدولية تكشف حقيقة عن تفلت أوراق الحل وفرص السلام من أكف الليبيين، إلى قبضات المحتطبين وأفواه النافخين محليا في الرماد، لقد تجاوز البعض حدود التنافس السياسي والخلاف الوطني، وصار ما يصدر عنهم مجرد بيانات للانتحار الجماعي، مع حرق كامل لفرص الاختلاف السلمي والحوار الإيجابي، بما يقارب رغبتهم في الإعلان عن الهلاك النهائي للشعب وللدولة معا، ظناً منهم بوهم النصر والغلبة، وهم لا يتصورون أن المنتصر والمهزوم معا لن ينالا غير فرصة بائسة لالتقاط الصورة المزدوجة فوق الضحايا والحطام بالارخبيل الليبي المنهار وسط سرور الأغيار أو دهشتهم!؟

ولكن يبقى أن ما حدث ويحدث لا يعكس إلا حالة من الانخراط الممنهج من قوى التضليل الجمعي بتسليع مستهلكات خطرة على الوجود المجتمعي والكتلة الجغرافية الليببة قوامها الكراهية والعنف واليأس والبغض والإرهاب اللفظي والجسدي احتوت بالتكرار والتداول اليومي الذهني والوهمي الجميع وسط هذا الفراغ المعقد بخيوط وحبال متشابكة لتجاذبات شريرة في ظل واقع مأزوم يفرض وقعه وإيقاعه على الحياة اليومية الجمعية والشخصية الكاسدة من هداة وعي أو هدنة تفكير أو حتى وقفة لعقد جردة حساب واحتساب لما فات! والنظر بعمق في مآلات الحال والعمل بعقل ومسؤولية لتقديم كافة التنازلات الممكنة وحتى المؤلمة لإعادة انتاج الحياء والحياة والأمل لهذا الإنسان الليبي بوطن لا يتصارع عليه باعة الضلال أو تجار الحبال والعقد، ولا محاولي تكريس السخرة السياسية للفرد والمجتمع كمادة لازمة لصناعة السلطة المطلقة أو السلطة الموجهة بأيدلوجيا الحصرية الجاهزة بمفهوم العقوق لها والقائمة على استلاب الحقوق أو صوغها برأيها دونما مشاركة مع إلغاء للمواطنة الفعالة ومؤسسات وأدوات المشاركة البناءة لكافة المواطنين عبر آليات الحكم الرشيدة والاختيار الديمقراطي الحر.

في ظل هذه الظروف العاصفة ومع إغفال البعض لحقيقة أن الأزمات المتلاحقة كانت متوقعة عقب الإنهيار الأمني والسياسي للنظام السابق الذي غطى لعقود على إشكالات وأزمات الشعب بقبضته الثقيلة وبما صبه من بأس الحديد والنار على مطالب وحاجات بل وما قمعه من حريات وأفتكه من حقوق الملكية وصادره من أملاك واستحوذ عليه من أرزاق أو ضيقها على الناس وازدرائه للمؤسسات ودولة القانون ناهيكم عن صمته ورفضه لتسخير مقدرات البلاد لأحداث تنمية مكانية مستدامة تكرس التوزيع العادل والشامل للثروات مع رفضه لوضع نظام دستوري حاكم للدولة وناظم لمؤسساتها ورجالها كان يمكن أن يورث التقاليد ويوطن العادات ويصيغ السلوكيات المجتمعية والفردية للمواطنة، وهذا ما ضاعف من الأحمال السلبية والاثقال الهادمة على المكون الاجتماعي وعاداته وعطل مؤسسات التعليم والثقافة المبرمجة والمدجنة من إنتاج المناهج البرامج والأدوات والآيات القادرة على صناعة الثقافة الوطنية سياسيا واجتماعيا بمعزل عن الأدلجة أو التوجيه الرسمي الذي لم يكن مهتما بالوطن الليبي والكيان اللييي والإنسان الليبي إلا بقدر ما يمثله كنسمة بشرية ينبغي ضبطها أمنيا وعلفها من حين إلى أخر دون النظر إلى تبعات ومخاطر ذلك في العمق النفسي والتربوي والاجتماعي لهذا الانسان عاجلا أم أجالا، وهذا أيضًا ما لم يحسب حسابه من نظام غابر كما لم تمهل الأزمات المتلاحقة المتفجرة جبرًا أو افتعالًا الدولة بعد سقوط النظام التي لم ترث رؤى ولم تسعفها مؤسسات سابقة إضافة إلى انفلات الأمن وانفلات الصراع مع رهانات الشعب الكبيرة على التغيير وهو يحمل بكافة نسماته وشرائحه أحلام المواطنة والعدالة الاجتماعية والتنموية في بلاده التي حرم فيها من صوته وقوته.

الآن يبقى القول والاعتراف بأن الاستمرار في البقاء بين فوهات الفوضى وأفواه الكراهية وصافرات الاصطفاف، يميت الأوطان ويموت بينها حتما الإنسان. فكلما توالت نفخات! تزوير العقل! وتزييف الوعي وتزويرالشعارات! سيستمر نحت أخاديد الألآم وشق صدوع الشقاق. ذلك أن الاستقرار والوئام والسلام لا يأتيان ممن يقامر على الغلبة بوقود الكراهية أو ببارود السلاح لنيل السلطة بالحرب والانتقام والاستحواذ على سدة الحكم ومصائر الناس وخياراتهم ومقدراتهم بحجة حمايتهم من خصومه ونجاعة رأي صنعه على عقله وغرضه.

وحتى ذلك الحين الذي نستعيد فيه وعينا وعقلنا ونتخلص فيه من أوزار الحرب وأوهام وعبث أنصار النار وأهل الظلم والظلام، يبقى أن نعرف ونعترف بأن كل ما نراه ونتابعه ويجرنا بل ويجرجرنا نحو الأسوأ مازال مربوطا بخيوط وحبال وحبائل المتطرفين من كل الأطراف وبفضل وبفعل مديري الصراع ومدبري ورعاة الأزمة المزمنة والحرب القذرة بالداخل والخارج والجوار والمحيط حتى ندرك جميعا بأن «ليبيا أولاً» وأن هذه الحرب وأزماتها التي استهلكت سنوات عزيزة من الزمن وأعماراً غالية من بشر ورقع شاسعة من وطن جميل ينتظر الاستقرار ورفعة صروحه وإعلامه ومواطن بكل مدنه وقراه يئن بين المعذب والمغيّب أو نازح أو مهجر يتأمل السلام وهو على مشارف عام جديد (2017).

يردد في صمته وطنه وصوته أمنيته الغالية • حفظ الله ليبيا • كما كان السؤال الذي طرحه الكاتب محمود الهتكي على الصادق النيهوم:
هل لك أمنية معينة؟
‏الصادق النيهوم
«أجل أن يكون الله مع ليبيا».

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات