دهـسُ الـمُتـع

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

سقط فجر الجمعة 23 .12 .2016 التونسي العشريني أنيس العامري صريعاً برصاص الشرطة الإيطالية وهو من أكّدت المعطيات الجنائية المتوّفرة حتى اليوم ضلوعه في حادث دهس الشاحنة الذي حاق بأحد أسواق أعياد الميلاد في 19 .12 .2016، وأسفر عن تمويت 12 شخصا، وإصابة عدد كبير من زوّار السوق لشراء هدايا العيد ومُرتادي ملاهيه ومقاصفه ومتعه.

الجاني منفّذ الجريمة، والمناسبة ومكانها، وربما تقارب الدوافع المحفّزة تجعلنا نربط حادث الدهس البرليني بشقيقه حادث الدهس بشاحنة الذي نفذه في 14 يوليو 2016 بمدينة نيس الفرنسي من أصول تونسية محمد لحويج بوهلال والذي حاق بحشد محتفلين بذكرى يوم الباستيل والذي أودت جريمته بحياة 130 شخصاً وعدد كبير من روّاد احتفال شعبي له صبغة عِلمانية لارتباطه برمزيات الثورة الفرنسية، تحوّل إلى كارثة مسّت الضمير الفرنسي في جوهره العلماني والذي يضّم في أعطافه الفرنسيين علمانيين ومسيحيين ويهودا ومسلمين.

الكُتّاب الذين يتوّخون تفسير مظهريات الحياة لايمكنهم استبعاد معرفيات التفسير المقترحة من قبل الفلسفة الفينومنولوجية "الظاهراتية" وهي منهج في التفكير نحته الألماني إدموند هوسرل من تأملاته في الديكارتية، معتمداً النزوع الحدسي المتوجه بدءاً إلى الظاهرة، وتعيّنها كتمثل في خبرتنا الشخصية الواعية، والانطلاق بعدها من الخبرة، لتحليل الظاهرة وأساس معرفتنا بها. وعلى هذا الاعتبار فإن الظاهراتية فلسفة لا تدّعي التوصل إلى حقيقة مطلقة مجردة سواء في الميتافيزيقا أو في العلم، وأيضاً لا تراهن فقط على حضور "روح الفكر" في العالم كما ادّعى الفيلسوف هيجل في كتابه "ظاهريات الفكر" بل تتجاوز ذلك إلى فهم نمط حضور الإنسان شخصاً ووجوداً ملموساً في العالم.

يمتد إعجابي، بل هوسي، بالثقافة والفلسفة الألمانية عميقاً في الزمن وقبل قدومي إلى ألمانيا مبتعثاً عام1992، للنهل من معارفها، وطرائق تفكيرها وعيشها، ورغم ترحالي في أنحائها شمالا وشرقا في حدود برلين، وسكني منذ 13 سنة في وسطها، وعيشي الطويل فيها، بل انجذابي لنمط متعها، وأذواقها، وتقاليدها المجتمعية، إلا أن علاقتي بثقافة أسواق أعياد الميلاد، وحتى الكرنفالات مشوبة بقلّة اهتمام وانعدم ولع بموجِّهات غريزة الاستهلاك والتبذير الملتبسة رأسمالياً بها، وربما أيضاً لإحساسي الدائم أني أجنبي، بل غريب، عن تقاليدها الحميمة، وأنني في لحظة ما سأحزم حقائبي عائداً لحنين متع أعياد وطن، وشغف لذاذات طفولة وصبا.

تبرز الاحتفالية ضرباً من أنماط حضور الشخص البشري وفرديته في العالم، وتنحو تمظهراتها عامةً منحى الطبيعة، إنها متعة فرح متاحة، ومطروحة إلى الخارج من بدئها إلى ختامها، وظهورها يتبدّى غالباً في الساحة والميدان، والسوق الذي يرتاده الناس في مناسبات محددة، ومتفق عليها عبر ضمنية مجتمعية، حيث يلتقون لاقتناص لحظة هناء، ومتعة عيش، يخرقون بها نسيج رتابة الحياة وعاديتها. الأمر الذي يجعل للاحتفالية بمعنى ما وظيفة اجتماعية في أن تُظهر كل شيء أمام الأعين، وأن كامل وظيفتها تعتمد على هذا الشيء، وأن تطرح ليس فقط الوجود الأول المنعكس في الظاهرة، بل الوجود الثاني الذي يمكن وصفه بالجوهري والحقيقي الذي لاتملك غيره وهو الوجود المنفصل عن أي طرح خارجي يتمظهر في أبعاد مادية كالشراء والهرج و ضجيج المضحكة "الباروديا" التي كتب عنها ميخائيل باختين في احتفال "الكرنفال"، وفيما انتقد به هربرت ماركوزة مُتع الاستهلاك المادية، كونها تعبيراً عن ثقافة البُعد الواحد للإنسان في حضارة أوروبا والغرب.

الشاحنة السوداء بوزن 25 طناً، التي قادها الجاني، مجبراً سائقها البولندي على تحقيق هدف يتأبد غامضاً، اقتحمت مساء الاثنين من ضمن الأكواخ الخشبية لبيع هدايا أعياد الميلاد، أكشاك المقاصف التي تبيع المقانق المُبهّرة والنبيذ الساخن المنكّه، وضروب اللذائذ الجاذبة للمواطنين الألمان، ومعقد التقائهم، أقارب وأصدقاء، وزملاء عمل، وأيضاً؛ نقطة إغراء رغائب استهلاك لزوّار من دول شرق أوروبا، لترافق مناسبة الأعياد عادة بموسم تخفيضات أسعار بضائع الاستهلاك الذي صارت برلين سوقه الأوروبية الكبرى، زيادة عن كونها محط الجذب السياحي التقليدي لبلدان أوروبية متوسطية لتوّفر المعالم الثقافية والفنية الحاضنة للبرامج المرصودة للاحتفال السنوي بأعياد الميلاد. فالسوق الذى تم الهجوم عليها في ساحة الكودام والتي مرّر الجاني لها شاحنة موته فوق ممشى المارة قرب كنيسة الذكرى المضروبة في الحرب العالمية الثانية،هي أحد أكثر أسواق برلين شعبية، حيث يزورها أكثر من مليون شخص سنوياً، وما حدث فيها من رعب وخوف لاشك سيفسد الروح الاحتفالية والمزاج الوطنى العام فى ألمانيا. ويدهس بالذات روح برلين عاصمة ألمانيا، الموّحدة ووجدانها، والتى تسعى جاهدة منذ انهيار جدارها العازل عام 1990 الذي قسمها لعقود، أن تكون عاصمة أوروبا، ففيها مقر البوندستاج (مجلس النواب الاتحادى) والوزارات، والسفارات، ويعيش فيها معظم القيادات الفكرية والسياسية ومشاهير الفن والثقافة فى البلاد، وفي مقدّمتهم المستشارة أنجيلا ميركل الشخص الأكثر نفوذًا وتأثيراً اليوم في اقتصاديات أوروبا وسياساتها.

صحيفة "بيلد" الشعبوية المقروءة من عامة الشرائح المجتمعية المتوسطة معرفياً في ألمانيا عبرّت عن رّدة الفعل العام بعنوان عريض هو: "الخوف"وفي مقاله التحليلي بالجريدة استعرض نيكولاس بلوميناليزد السياقات اللوّامة التي اعتبرها أقسى اختبار لشخص المستشارة ولسياستها باستقبال مايقارب المليون من المهاجرين واللاجئين في بلادها، والتي راهنت فيها على شعار إنساني أخفى مصالح ومتطلبات اقتصادية غير مفسرة لمتلقيه الألمان، معتبراً هذه السياقات المتوجّهة مباشرة بعد انتهاء أيام الأعياد إلى المستشارة أنجيلا ميركل باباً للخروج بات مفتوحاً على مصراعيه إلى النهاية السياسية التي تحول دون طموحها في ولاية رابعة كعرّابها السياسي الزعيم التاريخي للحزب الديمقراطي المسيحي المستشار هيلموت كول.

ستتموضع دِهاسة شاحنة أنيس العماري في سياق الدهاسات المناظرة لها عام 2016 كدهاسة شاحنة لحويج بوهلال في نيس الفرنسية وتوابعها في ألمانيا، كجريمة المراهق الألماني ـ الأيراني علي داوود سنبلي، الذي حصد بدون رحمة مايقارب الـ10 شبان ألمان ببندقيته في أحد مطاعم "ماكدونلدز "بميونخ، والجريرة التابعة لطالب لجوء أفغاني هجم بساطور على ركاب قطار مصيباً 5 أشخاص في"فورتسبورغ" وغيرها من ضروب العنف والقتل التي تمليها عوامل متداخلة تساهم في إثارتها المعتقديات والهوّيات والسياسات والبيروقراطيات هذا التداخل هو ما لاتراه السرديات السائدة في ألمانيا وأروبا كاليمينات الشعبوية، و نظريات صراع الحضارات المؤججة، وفوبيات إنتاج كراهية الآخر، وهذه السرديات- السياقات لن تسمح بالتأكيد مقاربة هذه الحوادث، والجنايات المقترفة بسبق إصرار وتعمّد، بحدث مس الثقافة الأنوية الأوروبية في صميمها، فيما قام به مساعد الطيار الألماني أندرياس لوبيتز 24 . 03 . 2015 الذي صدم عمداً طائرة "أرباص أ320 "التابعة لخطوط "جرمان وينغز" بجبل، فأودى بحياة جميع ركّابها الـ 150، وهو حدث قاربته كوربين بيلّوشون في مقالتها النافذة بـ "ليبراسيون" 1/4/2015 بماسلط الفيلسوف الألماني كانط الضوء عليه: أوجه الشبه ما بين الانتحار والقتل. فمن يُعّد لقتل نفسه إثر جري الحياة بما لا يشتهي، يتوسل بنفسه وسيلةً إلى بلوغ غاية- نهاية، وهو قادر على إنزال الأمر نفسه بغيره، أي التوسل بالغير إلى غايته هو. ولكن اعتبار واجبات المرء إزاء نفسه في منزلة واجباته إزاء الغير تشوبه شوائب. فمثل هذا التفكير يلفظ أي "عيب"خاص، ويجرِّم جرائم لا ضحايا لها، على غرار المخالف للحشمة أو"الفجور"، والشره ، والاستمناء وكُلّها مُتع أو ضرب مقارب للمتع".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات