صفقة ترُمب.. المطرقة والمسمار؟!

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

تتبدى كل يوم ذهنية المضارب العقاري، وعاقد الصفقات وتكشف عن وجهها السافر في اختيارات الرئيس الأمريكي القادم دونالد ترُمب لطاقمه أو فريقه الرئاسي وزراء وممثلين ومستشارين. فبعد أخذ ورّد بخصوص ترشيح شخصية سياسية كـ: ميت رومني لوزارة الخارجية هاهي الحظوظ ترسو على ريكس تيلرسون، المدير التنفيذي لشركة "إكسون موبيل" البترولية العملاقة، وهاهو الرئيس المنتخب ترُمب يوظّف معارفه ودراياته في فن الصفقة الذي كتب فيه أغزر المؤلفات في تبرير اختياره لتيلرسون بدعوى فهمه العميق للقضايا الجيوسياسية، ومهارته في إدارة الأعمال، وذكائه -وهو المهّم- في عقد الصفقات؛ وهي نفس المزايا التي كالها سابقاً -متغاضياً عن جذورها المناقضة لتوجهاته العرقية- لحاكمة ولاية ساوث كارولينا، نيكي هالي المرشحة لمنصب سفيرة الولايات المتحدة، إلى المحفل الأممي بنيويوك، بأن لـها سجلاً حافلاً لتحريك سياسات حاسمة أبرزها جهودها في التنمية الاقتصادية للولاية ونجاحها من خلال التفاوض مع الشركات العالمية في جذب فرص عمل واستثمارات، مثبتةً قدرتها على عقد صفقات، وهي المهمة التي ستبوئها قيادة تمثيل أميركا على الساحة العالمية.

في تعريف مصطلح "النظام" وهو تعريف يتوافق مع غالبية الأدب النوعي السوسيوــ سياسي: أن النظام هو مجموعة من القواعد الرسمية وغير الرسمية الأساسية التي تحكم اختيار القادة والسياسات. وبإضافة متوجبة للقواعد غير الرسمية في التعريف أن الأنظمة "الأوتوقراطية" عادة ما تخفي القواعد التي تُشكل وتقيّد خياراتها السياسية. وعادة ما تتواجد كما في الحالة "الترُمبية"الأنساق الأتوقراطية، جنبا إلى جنب مع المؤسسات الرسمية الديموقراطية. وهناك اعتقاد بأن القاعدة غير الرسمية الأهم في التمييز بين الأنظمة الأتوقراطية التي تتخذ قرارات بطريقة معينة عن غيرها من الأنظمة التي تتخذ قرارات بطريقة أخرى مختلفة هي القاعدة المساعدة لعلماء السياسة والسوسيولوجيا على التعرف على الجماعة التي يمكن اختيار القادة منها، وهي القاعدة التي تحدد من يؤثر في اختيارات القيادة وسياستها مستقبلاّ.

كل المتابعين للحملة الانتخابية للرئيس المنتخب دونالد ترُمب تنبأوا بالتغيير الذي سيحدثه نجاحه في الانتخابات في نسيج القوة الناعمة الأمريكية وتمثلاتها التي أظهرتها بشكل ما السياسات الأميركية لحقبة مابعد حرب فيتنام والمتجليّة في البروز اللافت لعامل نوعية الحياة، أي ذلك المزيج الرباعي الرقيق المكوّن من الحرية والكفاية الاستهلاكية والمشاركة السياسية والتضامن الاجتماعي. إلا أن المُقترح من الرئيس ترُمب كتأسيس جديد لتمثلات القوة الناعمة الأميركية عبر الصفقة، يبدو أنه يفوق التنبؤات كما عبّر عن ذلك الكاتب روجر كوهين بنيويورك تايمز الذي وصف ترُمب بأستاذ فنون انعدام الاتجاه الذي سيحوّل بسياساته العبقرية الشعب الأميركي إلى اشخاص كرتونيين تتحرك رؤوسهم وبدون توّقف في كل الاتجاهات. لقد بدت القوة الناعمة دائماً غير كافية للتعويض عن أوجه القصور في نهج القوة الصارمة الذي تبدى حروباً أميركية في كوريا 1950-1953. وفيتنام 1959 ـ 1975، وانقلابات مضادة على تغييرات دستورية كالإطاحة بالساسة الوطنيين من رئيس الوزراء محمد مصدّق في إيران1953، حتى سلفادور إليندي في تشيلي 1973. وبالمقابل لايستطيع الآخرون المتوجّهة لهم هذه السياسات، حتى في حقبة باراك أوباما المنكفئة بنعومة إلى حدٍّ، ما التغاضي عن الوسائل والأساليب التي انتهجتها القوة الأمريكية الصارمة بتجاوزاتها في سجون كـ "أبوغريب" و" غوانتانامو" وتعويض كل هذه الخروقات بصورة ثقافية كون الولايات المتحدة هي الدولة التي المنتجة لاستخدام مايكروسوف ويندوز. والباعثة نشاطاً معرفياً عولميا كوادي السيلكون.

فكل الاختيارات المصبوبة في التوجهات المحفزّة لدور القوة الناعمة يحفّ بها الشك دائماً في أن تكون معادلاً موضوعياً للقوة الصلبة في تمرير المصالح والمنافع المصاغة في صفقات عبر السياسات العقلانية. فبالموازاة مع التعيينات التي ألمحنا إليها في السياسة الخارجية، وتمثيلية أمريكا في منظمة الأمم المتحدة.هناك التعيينات المقابلة لها المتمثلة في تشكيل الرئيس المنتخب دونالد ترمب لفريق الأمن القومي الجديد من الجنرالات المتقاعدين مايكل فلين، وجيمس ماتيس، وجون كيلي والمتوقع أن تسدّ معتقداتهم العسكرية، وسلوكاتهم في وظائفهم المقترحة لهم السبيل في وجه تيار السياسات الأميركية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما التي مهّدت إلى تصوّر راديكالي لم يألفه المتابعون للسياسات الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط كأحد بؤر النزاعات المزمنة بتمكين ما أصطلح عليهم بالسياسيين المعتدلين في البلاد الإسلامية، بوسائل الديمقراطية الشكلية بتصدّر التغييرات السياسية عبر صناديق الانتخابات كتركيا أو الانتخابات التي تؤسس لها انتفاضات فيما سميّ بثورات الربيع العربي ، كما تتقاطع توجهات الجنرالات الثلاثة مع التقديرات السالفة لمجتمع الاستخبارات الأميركية بأن الأرهاب لايرقى إلى درجة الخطر الوجودي الداهم، والمنفرد بل تشاركه مخاطر أخرى كالهجمات الإلكترونية، واحتمالات عدوان قادم من الصين وروسيا. وبالرغم من أن آراء الجنرالات الثلاثة هي أبعد ماتكون عن التوحد والاتساق، إلا أنها تجتمع على عقيدة عسكرية عامة تأثرت وبشكل كبير على مدى الـ15 عاما الماضية بتراجع الاهتمام الأمريكي العام حيال الحروب الخارجية، والتنكر للخسائر البشرية الفادحة في ميادين القتال، والنظرة الدونية لمعاداة الإرهاب العدو الذي صار يضرب منذ 11 سبتمبر 2001 بلا رحمة في الداخل الأميركي.

وصفت الحلقة السياسية الموالية للدكتاتور حاكم ليبيا السابق توصيفا لردود أفعاله إزاء الضغوط السياسية والعسكرية الأمريكية عليه في حقبة الرئيس رونالد ريغان بالتصادم معه في خليج سرت والغارة على ثكنته بباب العزيزية عام 1986، بأن العقيد القذافي كالمسمار رقم 10 الذي كلما ضربت عليه بالمطرقة يذهب في الشئ إلى الأمام. هذا الوصف ذكرّني به المقتطف الذي أورده الكاتب الآميركي غوردن آدامز عن العالم النفساني أبراهم إتش مازالو، الذي كتب مستفسراً إذا كان جميع المحيطين بالرئيس دونالد ترُمب ينظرون إلى انفسهم باعتبارهم مطارق، فإنهم سيميلون نحو التعامل مع كل شيء كما لوكان مسماراً.

في مواجهة لم يسبق لها مثيل باعتباره رئيس شركة إكسون موبيل وبلهجة مشدّدة تحدث "ركس تيلرسون " موجها حديثه إلى "خالد الفالح" وزير النفط السعودي فى مؤتمر المال والنفط المنعقد فى لندن اكتوبر الماضي بما يفيد، حسب تعبير السياسي ورجل الأعمال الليبي محمّد بويصير، أن زمن"البيبى سيتينج" أو سياسة "حفاظات الأطفال "المتبّعة إزاء بلدان الخليج النفطية قد انتهى وعليهم الاستعداد لواقع جديد تفرضه أميركا المنتجة للنفط والمنافسة، بما يعنى صراعا جديدا في ساحة شرق أوسطية جديدة يؤكّد استعارة المطرقة والمسمار.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات